تعارف -2-
توفيق عياد الشقروني
27 يناير 2006
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم
من توفيق عياد الشقروني إلى أصدقاء حكيم ليبيا (شكرا لحكيم على تحفظه في نشر أسمي، و لا مانع لدي من نشره)
قام الأخوان: نيراد سيف و Man With The Iron Maske، مشكورين بالتعليق على رسالتنا إلى حكيم ليبيا. ويبدو أني لم أوضح وجهة نظري جيدا فعذرا لكما.
المسألة الأولى: الاستشهاد بالقران الحكيم
لكما كل الحق في عدم جدوى الاستشهاد بالقران عند من لا يؤمن به، فما اعتبره أنا مقدساً لا يعد كذلك عندكما. ولكن ذلك لا يكفي عندي لترك الاستدلال به فهو عقيدتي ومنطلق تفكيري، ويكفيني منكما أن تعتبرا أن ما أوردته من آيات قرآنية هي كلمات صادرة عن رجل عاش قبل 1426 سنة من اليوم. وتبقى نسبة هذا الكلام إلى محمد عليه السلام أو إلى الله تعالى نقطة خلافية بيننا.
إن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرجل الذي عاش قبل 1426 سنة من اليوم) قال: في القران الكريم.
1- {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (88)سورة النمل.
2- وقال أيضًا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (5) سورة الحـج
3- وأيضًا: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (14) سورة المؤمنون.
4- وأيضًا: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} (3) سورة الروم.
والسؤال هنا : متى عُرفت هذه الحقائق العلمية؟ وكيف عَرف بها الرسول عليه السلام؟ ذلك الرجل الصحراوي الذي لم يشاهد غابات الأمازون كما يقول السيد حكيم ..........( حتى أنا مزال ما حقيتها).
واترك الجواب لعقولكم النيرة. (ولجارك مستر مقنع)
وهل عرفتما الآن لماذا استشهد بالآيات القرآنية، وكيف انه لا يزال يعمل عندي (مستر مقنع).وليس في ذلك أي عيب منهجي أو عقلاني.
وعلى ذكر المنهج ، أيها الأخوين الكريمين يبدو إنكما تقرأن التاريخ وكتب التراث دون استعمال العقل المنهجي وأدوات العلم الحديث الذي يمنع بشدة القفز إلى الأحكام ، وعلى الرغم من قفزكما للنصف الأول من محتوى رسالتي إلى حكيم ليبيا، فأني أجدكما قفزتما في أحكامكم على ذكر الإبادة الجماعية لبني قريظة وهذا يدخلنا لطرح المسألة الثانية:
قصة بنو قريظة
إن الروايات التي حكت قصة بني قريظة مع الرسول عليه السلام مرجعها ابن إسحاق في كتابه السيرة النبوية وهو يورد عدة روايات: (وهذا ما نبهت عليه في رسالتي الأولى إلى حكيم ليبيا في قصة أم سلمة) وهذه الروايات تجعلنا نقف ونمحص التفكير فيها ولا ،اخذها على علاتها ويجب استعمال المنهج العلمي فيها .(وأنتم حماته المدافعون عنه)
تقول هذه الروايات عند ابن إسحاق ومن أخذ عنه:
1- (...،فكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة... )طبقات ابن سعد
2- (...،وهم ستمائة أو سبعمائة المكثر لهم يقول كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة...) تاريخ الطبري
3- (...،هم ما بين ستمائة إلى تسعمائة) ابن حبان
4- (...،فقتلت مقاتلتهم وكانوا ست مائة أو أزيد....) العبر
5- (...،وكانوا سبعمائة رجل يزيدون أو ينقصون عنها قليلاً.....) المختصر في تاريخ البشر.
6- (...هُمْ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَخَمْسُونَ مُقَاتِلاً،...) مغازي الواقدي.
7- (...وأمر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة،) تاريخ الاسلام للذهبي
8- وكانوا فيما زعموا ستمائة مقاتل قتلوا عند دار أبي جهم بالبلاط) تاريخ الإسلام للذهبي
9- وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث النجارية، ...، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة) تاريخ الإسلام للذهبي
وهذا الاتفاق النسبي لا يعد إجماعا أو دلالة بالصحة على الرواية إلا للقاري المتسرع ، خاصة وأنها كما أسلفنا ترجع إلى رواية أولى لابن إسحاق فإذا نظرنا إلى روايات أخرى فنجد ايضا:
10- (... قال: وكانوا أربعمائة. ...) تاريخ الإسلام للذهبي
11- وفي رواية انفرد بها ابن سلام صاحب كتاب الأموال بأنهم كانوا أربعون.
12- وناقش بعض المؤرخين المعاصرين هذه الروايات ، ويرى الدكتور أحمد شلبي أن الذين اعدموا هم القادة وأصحاب القرار سكان الآطام والحصون.
ويشرح لنا الدكتور جواد علي في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام إن اليهود:
( ....وقد كان اليهود يخضعون في نظامهم السياسي والاجتماعي لرؤسائهم وساداتهم، يدفعون لهم ما هو مفروض عليهم أداؤه في كل سنة. وهؤلاء السادة هم أصحاب الآطام والحصون والأرض......، وقد كانت هذه الآطام والحصون معاقل لأصحاب الأرض ومنازل لهم، ومخازن يخزنون بها حاصل أرضهم وماشيتهم عند دنو الخطر، وقد يحتمي بها عبيدهم وأتباعهم فهي مثل، قلاع الأشراف النبلاء في أوروبة أيام الإقطاع ومثل المحافد والقصور في اليمن. وهي تختلف في الحجم والسعة باختلاف درجة ومنزلة المالك للأرض، من حيث تملكه للمال وللخدم والعبيد وما عنده من ثراء،) جواد علي.
وإذا رجعنا إلى المناهج النقدية في علم التاريخ ، ولنكتفي الآن بما قاله المؤرخ ابن خلدون في مقدمته عن الأغلاط التي يقع فيها الناس والمؤرخين في نقل الأخبار فيقول:
(...وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين...)
وبتطبيق هذه القاعدة البسيطة نسأل كيف اتسعت دار أسامة أو دار بنت الحارث النجارية لعدد أربعمائة رجل واستوعبتهم كسجن؟ (ناهيك عن أن تستوعب 700 أو 900رجل )
وإذا اتبعنا جدول الأرقام :
300 مقاتل أنصار ومهاجرين عدد المسلمين في غزوة بدر
700 مقاتل أنصار ومهاجرين عدد المسلمين في غزوة آحد
ونحن نعلم إن اليهود اقل عددا من المسلمين في المدينة فكيف أصبحت بني قريظة من 700 إلى 900 نسمة علما إن عدد بني قينقاع في هذه الروايات ايضا 650 نسمة؟؟ وإذا أضفنا إليهم يهود بني النضير ، فيصبح الناتج أكير من عدد المسلمون مجتمعين. ومن ذلك كله يكون الرقم أربعون هو الأكثر دقة لأنه الأقرب إلى إن تستوعبه دار في المدينة، وعلى الأرجح أنها كانت كبيرة ايضا. وأنهم من السادة أصحاب القرار الذين يسكنون الحصون. (والله حوشي توة ما يسد أربعين).
وبذلك يكون من السهل الدلالة على عدم دقة هذه الأرقام. وان الإبادة الجماعية من نسج الخيال وان البكاء على ضحايا مزعومين لا يعمل شيئًا. والقفز إلى النتائج عبر المقدمات المنتقاة أمر مخالف لأبسط قواعد العلم والعقل
توفيق عياد الشقروني