فوازير رمضان...
حكيم الليبي
وجاء رمضان!.. وكالمعتاد بدأت هوجة المقالات والخطب والنصائح والمواعظ والرقائق التي
تتحدث عن الشهر الكريم وفضائله، شهر الرحمة والغفران، ويتصدر الناصحون لحث الناس على
عدم تضييع هذه الفرصة، ويهوم الجميع في عوالم الخيال فيتصورون جنةً واسعةً عرضها
السموات والأرض تفتح أبوابها الثمانية لكي لا تستقبل أحداً، وجحيماً يغلق أبوابه السبعة
التي لم يدخلها أحد أصلاً ولن يدخلها حتى لو أراد لأن الوقت لم يحن، ويتخيلون
شياطين ومردة مقيدة في سلاسل طوال شهر كامل، وملائكة تتنزه في جنبات الأرض لتستمتع
بسماع القرآن، وتنقل الى ذلك الإله المبتلى بالملل الأبدي ما يفعله "عباده" فيعفو عن
هذا ويعتق ذلك من النار، وما ان ينتهي الشهر حتى يقوم السجانون من الملائكة بإطلاق
سراح هؤلاء المردة من جديد وهكذا دواليك في مسرحية لا يمل أطرافها من تكرارها عاماً بعد عام.
ولن نتحدث اليوم عن فوازير رمضان التلفزيونية المشهورة والتي تهدف الى تسلية صيام
المشاهدين لأن لدينا فوازير أخرى لا تقل عن الأولى في التسلية، ولا ريب فهذه فوازير
ربانية المصدر فأحرى بها أن تكون أكثر تسلية وإمتاعاً.
من هذه الفوازير أن شهر رمضان هو شهر تتحد فيه قلوب المسلمين في أقطار الأرض، ويحس فيه
الغني بالفقير إلخ.. ولا ندري أين ومتى اتحد المسلمون في شهر رمضان أو في غيره،
فاختلافهم كالمعتاد يبدأ في تحديد بداية الصوم، ثم في تحديد يوم العيد، وهم مختلفون
أيضاً في تحديد ليلة القدر، دع عنك الخلاف في عدد ركعات صلاة التراويح وكيفيتها وآلاف
التفاصيل الأخرى في مبطلات الصوم التي تحفل بها كتب الفقه.
أما كونه شهر رحمة فلا ندري هل هي رحمة الناس بالناس أم رحمة الله بالناس؟ فإذا كان
المقصود هو رحمة الناس ببعضهم فهذا موجود بقدر في كل بلاد الأرض في رمضان وغيره،
فالمسيحيون تزداد رغبتهم في العطاء بحلول أعياد الميلاد، والغني يعطي الفقير فتاتاً مما
عنده ويستمر الغني غنياً والفقير فقيراً في رمضان وبعده، أما إذا كان المقصود هو رحمة
الله بالناس فلم نر من ذلك شيئاً، فليبيا مثلاً تنتكس من سيء إلى أسوأ منذ أربعة عقود،
وكل عام ولا شك هو أسوأ من سابقه، ويزيد شهر رمضان الطين بلة فلا عمل ولا إنتاج بل
استهلاك يعادل أضعافه في غير هذا الشهر في بلد يدمن الاستهلاك أساساً.
وهو لعنة على أصحاب الأسر الكبيرة والصغيرة بما يلزمهم من زيادة في مصاريف المأكل
والملبس لينخر في ميزانياتهم الكحولية (لسرعة تبخرها) نخر السوس.. أما الجواري (النساء)
فهو لعنة مضاعفة، فهو شهر سخرة داخل المطبخ لإعداد ما لذ وطاب للسادة الرجال نهاراً،
ومعسكر إجباري لتفريغ شحنات التهييج الجنسي المصاحبة للشهر الكريم ليلاً.
وهاهي الأمة الإسلامية قد صامت ما يزيد عن ألفٍ وأربعمائة مرة ولم تر خيراً يذكر ولا تزال من نكسة إلى
نكسة ومن سيءٍ إلى أسوأ فأين الرحمة المزعومة؟ لا شك أن هذه الرحمة ما هي إلا صكوك سماوية غير قابلة
للصرف في هذه الدنيا، فيا الله: إن كانت هذه رحمتك بالأمة الإسلامية فاللهم عجل بعذابك وسخطك.. آمين.
أما عن الغفران في الشهر الكريم فهذا أيضاً من قبيل المفاجآت، فأنت لا تعلم بعد أن تصوم دهراً كاملاً هل أنت
من المغفور لهم أم لا، وعليك أن تنتظر حتى قيام الساعة لتعرف نتيجة هذا الصوم، وفي أحسن الأحوال عليك أن
تنتظر حتى تموت، وعندها لن يكون لديك فرصة لتراجع صومك، ولم يرجع أحد من الموت على أي حال ليروي
لنا شيئاً عن نتائج الإمتحانات.
وتخبرنا الأحاديث أن دعوة الصائم مستجابة وهذه مدعاة للتأمل فعلاً، فالليبيون مثلاً يدعون "الله" منذ أربعة عقود
إلا قليلاً أن يزيح عنهم سخطه وغضبه، وهذا مما لا يصعب على إله يقول للشيء كن فيكون، فهل استجاب؟ ألم
يعجب مزاجه شخص واحد يكون قد أخذ بأسباب الدعاء كما ينبغي له فيستجيب له؟ ألم يرق قلبه، إن كان له قلب،
لامرأة مات ابنها مسجوناً أو لأم تحتضر ابنتها المحقونة بالإيدز بين يديها؟ ماذا لو كان القذافي نفسه يدعو الله أن
يسلطه على الشعب الليبي؟ وماذا لو كان القذافي يدعو الهاً آخر أو صنماً آخر ألا يجدر بنا أن ننبذ إلهنا العاجز؟
إله كالمقبرة: يأخذ ولا يعطي! ثم ماذا لو حطمنا جميع الأصنام مرة واحدة هل سيغير ذلك من الأمر شيئاً أم ترانا
سنعيش طوال العمر ننتظر الموت لتتحقق وعود هذا الإله؟ ما لنا نعبد صنماً لا يملك لنا نفعاً ولا ضراً؟
ومع ذلك لا تزال تجد ملايين الجثث المتحركة تملأ المساجد وتضج بالدعاء، وتحاول بالفهلوة المشهودة لشعوب
بليدة تكره العمل وتدمن الدعاء أن تعوض قرون تخلفها الحضاري باستجداء إله أصم عساه أن يستجيب، وبعضهم
لا يبالي حتى بذلك بل يريد سعة في الرزق وعافية في البدن ولتذهب الأمة إلى الجحيم، وبعضهم لا يبالي حتى
بسعة الرزق ولا عافية البدن بل كل همه أن يحجز مكانه في الآخرة ويبني فيها ما استطاع من قصور بعد أن فقد
مكانه في الدنيا.
ومع ذلك أيضاً لا يزال ذلك الشيخ البليد يرتل بصوت ذليل دعائه الأزلي لإلهه الأصم بأن ينصر المسلمين على
الكفار وأن يحرر فلسطين (يخيل لي أحياناً أن الله نفسه يضحك من هذا المطلب)، وبتوحيد صفوف المسلمين، ولو
كان الله يريد توحيدها لربما اعتمد التقويم الشمسي الذي كانت تعرفه كثير من الأمم عند "نزول" الرسالة على
محمد ولكنه دق إسفين الخلاف بينهم مختاراً باعتماد هذا التقويم البدائي والطريقة العجيبة في رؤية الهلال... كما
يدعو الشيخ أيضاً إلهه بأن يشفي مرضانا وهذه أيضاً مستعصية على الله فالمسلمون أكثر أمم الأرض التي تتفشى
فيها الأمراض، وحتى من شفي منهم فإنما شفي بفضل تقدم العلم في الغرب الكافر لا بفضل هذا الكائن المجهول،
أما دعاء الشيخ لله بأن يستر عوراتنا فيبدو أن الله يتنصل من ذلك أيضاً فنحن كلنا عورة: ثقافياً وفكرياً وعلمياً وقد
أصبحنا مادة تندر العالم حتى الثالث منه، ولم يشعر العالم قط بأنه في حاجة إلى استحداث درجات أقل من العالم
الثالث إلا بفضلنا لكي يصنفنا فيها.. ويبدو أن "الله" لم يستجب أيضاً لمطلب سعة الرزق، فالمسلمون أفقر أمم
الأرض على الرغم من استمتاع أكثرهم بالحيض الجيولوجي (النفط) الذي كان لعنة على كل من لمسه.
ويستمر هذا الشيخ البليد في دعائه وتستمر المومياءات المتحركة في التأمين، وفي كل عام
يتفنن الشيخ في الاستجداء ويتفنن الناس في التأمين ويتفنن الإله في التجاهل، ويتفنن
الشيخ في تفسير أسباب هذا التجاهل فتارة لأن الدعاء غير نابع من القلب، وتارة لأن
الدعاء غير مصحوب باليقين، وتارة لأن أكل الحرام يمنع قبول الدعاء وغيرها من الأعذار..
ومن الطرائف أيضاً أن الله لا يستجيب حتى لدعاء الناس بالهداية فكل الناس يدعو الله في
رمضان أن يهديهم إلى صراطه المستقيم وما إن ينقضي رمضان حتى يعود كل منهم إلى ما كان
فيه وتخلو المساجد من روادها إلا قليلاً منهم.
وزيادة في التخدير فقد بدأ بعض السذج أو المتكسبين بتسجيل هذه الأدعية وخاصة ما كان منها في ليلة القدر
وبيعها أو إهدائها للناس لكي يضعوها في سياراتهم عسى أن تنجح في تطييب خاطر هذا الإله "الزعلان" فيستجيب
ولو لمطلب واحد وما ذلك على الله بعزيز.
وكما تجاهل "الله" دعاء ملايين الليبيين منذ أربعة عقود فانه بالمثل يتجاهل دعاء
الملايين الذين يصلون له بضع ساعات في كل ليلة من رمضان وخاصة في العشر الأواخر وفي
ليلة القدر تحديداً .. ومع ذلك أؤكد لك عزيزي القارئ أنك ستسمع في الجمعة القادمة أو
في الدرس القادم الذي تحضره شيخاً بليداً يؤكد لك بكل ثقة أن الله يستجيب الدعاء وخاصة
في رمضان، فهل هذه شعوب تعقل شيئاً؟
وتأكيداً لهذه النظرية (نظرية الإله الأصم) فاني أدعو من تزعج هذه الكلمات ضميره
الديني المرهف أن ينتهز فرصة هذا الشهر وأن يذكرني في دعائه ببعض المنوعات من قبيل
"اللهم شل أركانه واهدم بنيانه .. الخ" وسأعطي هذا الإله فرصة شهر كامل ليسمع أو
يستجيب وموعدنا عيد الفطر.
وقد كان فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة أي بعد خمس عشرة سنة من بعثة الرسول، ونعلم أيضاً أن
المرحلة المكية كانت مرحلة تربية وتهذيب وإعداد للصحابة ففيها كان فرض قيام الليل ثم نسخه
(ياأيها المزمل
قم
الليل إلا قليلاً)
، فإذا كان الله يعلم أثر الصوم في تهذيب النفوس وهو عبادة سرية لا تعرض صاحبها للخطر فلم لم يفرضها في
مكة؟ هل من قبيل المصادفة أن تفرض في أول عهد اختلاط الرسول باليهود في المدينة ومن المعلوم أن اليهود
يصومون أيضاً؟
ولا ينسى الإسلام أن يختم على هذا الجانب الروحي بنزعته التمييزية البدوية فهو يشترط
ألا تكون المرأة حائضاً لكي يقبل منها الصوم، ولا أدري ما علاقة عملية بيولوجية كالحيض
بأمر روحي كالصوم؟ ما الذي يمنع إلهاً من تقبل صوم امرأة في فترة حيضها؟ هل الحيض هو
أكثر قذارة من الغائط مثلاً؟ قد نتفهم الأمر إذا كان قد جاء تيسيراً على النساء بجواز
الفطر في رمضان أثناء فترة الحيض كما هو حال المسافر ولكن لماذا لا يقبل الصوم منهن حتى
لو أردن؟ هل من الصدفة أن هذا التشريع هو أيضاً من تشريعات اليهود التي لم ينتبه لها
الله/الرسول إلا بعد خمس عشرة سنة من البعثة؟
وعندما سئل الرسول عن نقصان عقل المرأة ودينها قال
(أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس
إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال. فذلك من نقصان دينها)
وعلى الرغم من أن المرأة لم تختر أن تكون شهادتها نصف شهادة الرجل ولم تختر ألا تصلي
ولا تصوم أثناء الحيض بل هي تنفذ أوامر رسولها، على الرغم من ذلك فإن الرسول ينعتها
هنا بنقصان العقل والدين فهو الخصم والحكم في آن... ولا أملك إلا أن أتخيل سقراط أو
أرسطو وهما يضحكان من هذا المنطق الدائري الذي يقول أن المرأة ناقصة عقل لأن شهادتها
نصف شهادة الرجل، ويبرر تنصيف شهادتها بكونها ناقصة عقل، وقل مثل ذلك في نقصان الدين.
وعلى الرغم من أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان وأن من أنزله هو خالق الكون والناس
(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)
فيبدو أنه لم يحسب حساب المسلمين الذين يعيشون في القطب الشمالي حيث يطول الليل شتاء الى ما يزيد عن
عشرين ساعة، فيكون صومهم لهواً، ويطول نهارهم صيفاً الى ما يزيد عن عشرين ساعة فيصبح صومهم عذاباً
غير مستطاع. والمشرع العاقل لا بد أن يتحرى العدالة في التكليف فلا يجوز أن يكلف أناساً بصوم عشر ساعات
وغيرهم بصوم ثمانية عشر ساعة لأن هذا ليس من العدل، ولكن كما قلنا فإن هذا التشريع إن دل على شيء فانما
يدل على إله لم يخرج من الجزيرة العربية مطلقاً ولم يعرف من أحوال الكون إلا ما يعرفه البدو في القرن السابع
الميلادي فجاءت تشريعاته موافقة لذلك زماناً ومكاناً، وهذا مما مهد المجال لظهور الحواة والمرقعين (الفقهاء)
كذلك السيرك المسمى (المجلس الأوربي للإفتاء) لتدارك أخطاء هذا الإله الفادحة وجهله المطبق بحقائق الجغرافيا
ليقوموا بإصدار فتاوى لهؤلاء المساكين، وينسى الجميع في خضم ذلك أن لو كان هذا تشريعاً إلهياً لما فاته أن
يدرك أن بعض المسلمين سيصل إلى هذه الرقع الجغرافية فيشرع بما يناسب كل الأمكنة والأزمنة كما يدعي.
ولا يخلو شهر رمضان من ذكريات عزيزة ففي السابع عشر منه خرج رسل الحضارة في مهمة قطع طريق على
قافلة تجارية لقريش انتهت بمعركة تعرف اليوم بغزوة بدر ويحتفل بها البسطاء كمعلم من معالم "الدعوة" الإسلامية
ولا أدري ما علاقة الدعوة بنهب القوافل، ولكنهم محقون -ولو بغير قصد- في أن قطع الطريق معلم من معالم
هذه الرسالة، ويكرر المسلمون أن شهر رمضان هو شهر السمو الروحي وأن الصحابة كانوا يودعون فيه بعضهم
البعض ليتفرغوا للعبادة والاعتكاف، ولا ندري لماذا لم يمنعهم هذا السمو الروحي من نهب القوافل وقطع الطريق،
ولعل من مظاهر هذا السمو الروحي ما حدث في فتح مكة في العشرين من رمضان من أمر الرسول بقتل أربع
رجال وامرأتين ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة وكذلك كان. ومن مظاهر هذا السمو الروحي المعاصرة في
رمضان أصناف الشجار والسباب على أبواب المخابز وفي إشارات المرور والتي تنتهي عادة بسب الدنيا والدين،
وكعادة هذه الأمة الكسولة في نيل الجوائز بدون مجهود يقول الجميع في نهاية الموقعة
"اللهم إني صائم"
فتمحو ما كان من سباب وشجار، كما تمحو جملة واحدة ما كان في المجالس من غيبة ونميمة ولغو وهي ما
يسمى بكفارة المجلس، وكما تمحو عبارة أخرى الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر، وكما يمحو الحج الخطايا
ويرجع الإنسان كما ولدته أمه، والقاسم المشترك بين كل هذه المنظفات الإلهية شيئان: أولهما أنها شيكات مؤجلة،
وربما تكون بدون رصيد أيضاً، وعليك الانتظار الى يوم القيامة للقبض، والثاني أنها ساهمت ولا تزال في تكوين
وجدان شعوب بليدة تؤمن بالحظ والفهلوة واختصار المسافات وتكفر بالعمل والجد والسعي.
ومما يزيد الأمر سوءاً أن الصائم لا يدري أهو من أصحاب هذه الشيكات المؤجلة أم لا، فالشفافية غير معروفة
في هذه الثقافة، وما عليك إلا أن تصوم وتصلي كما أمرت ثم تنتظر إلى يوم القيامة لتعلم أولا إذا كان عملك قد
قبل منك وأصبحت من أصحاب الشيكات، ثم ثانياً إذا كان لهذه الشيكات رصيد أصلاً.
من فوازير رمضان الأخرى قول الرسول
"إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن.."
وهذا أحد الألغاز النبوية التي أعجزت الحواة (الفقهاء) إذ أنه من المعروف أن الشيطان هو من يحث الإنسان على
الشر وإذا كانت الشياطين مصفدة فمن أين تأتي كل هذه الشرور؟ ألا يجب منطقياً أن تقل الشرور في شهر
رمضان إن لم تنعدم؟
سؤال برىء: هل تصفد الشياطين التي تغري المسلمين فقط أم كل شياطين الأرض؟ فإذا كانت كل شياطين
الأرض تصفد فمعنى ذلك أن الشر في رمضان سيقل أو ينعدم في كل أرجاء الأرض سواء كان قاطنوها مسلمين
أم غير ذلك فلماذا لم يلحظ العالم هذا الأمر؟ ألا يكون هذا دليلاً على صحة دين الإسلام إذا لاحظ العالم بأسره أن
أقل نسبة قتل وسرقة ونهب وسطو واغتصاب إنما تحدث في شهر معين من كل عام يصادف تماماً شهر الصوم
لدى المسلمين؟
سؤال برىء آخر: ماذا عن المسلمين الذين يعيشون في دول كافرة؟ هل ستصفد شياطينهم وتطلق شياطين
الكافرين؟ ألا يلتبس الأمر على الشياطين فلا تدري لمن توسوس إلا إذا كان لديهم قوائم بمن هو مسلم ومن هو
كافر؟
ولكن الواقع عكس ذلك تماماً فالشر في رمضان لا يقل عن غيره من الشهور بل ربما يزداد قليلاً بفعل الغضب
والتبرم من طول يوم الصيام وخاصة في فصل الصيف، ولا زلت أتذكر أيام الطفولة عندما كنا نذهب أمام باب
أحد المخابز لنلهو بمنظر الصائمين وهم يتشاجرون ويلعن بعضهم بعضاً ويصل الأمر أحياناً الى الضرب ثم
يتدخل بعض المحسنين ليفض هذا النزاع وليقول الجميع "اللهم إني صائم"
وقد قام بعض الحواة (الفقهاء) من ذوي المواهب الحلزونية في فن الترقيع (التفسير) بأن الشر لا يأتي فقط من
الشيطان بل أيضاً من النفس الأمارة بالسوء، ولكن هذا لا يحل المشكلة فلو افترضنا جدلاً أن نصف الشرور هو
من الشيطان وان نصفها الآخر هو من النفس فيجب أن نلحظ على الأقل انخفاضاً في نسبة الشر بمعدل النصف،
ونحن نعلم أن هذا التفسير لا يقنع حتى قائله ولكن ما العمل وقد ابتليت أدمغتنا بداء هز الرأس لكل محاولة
ترقيعية من الحواة حفاظاً على العقول النائمة أن يزعجها بعض التفكير؟
ومن الفوازير الرمضانية أيضاً ترك الشهوات، ولا شك أن قلة الطعام هي مما يساعد على سمو النفس وقد عرف
هذا الأمر أصحاب الثقافات الأخرى حتى قبل الإسلام، ولكنه يسمو بالنفس متى كان الإنسان مختاراً لذلك لا أن
يساق إليه سوقاً كالقطيع وأبسط دليل هو أن أغلب الناس يأكلون في رمضان أضعاف ما يأكلونه في غيره كماً
ونوعاً وأن أوزانهم تزداد فإذا كان قصد الله من هذا الشهر هو تهذيب النفوس فلا شك أنه فشل في ذلك فشلاً
ذريعاً كفشله في إيصال رسالته لكافة أهل الأرض والتي بعد أربعة عشر قرناً لم يعتنقها إلا أقل من خمس سكان
الأرض ولا يزداد أتباعها إلا بالتناسل.
لا أذكر من القائل أن الجنون هو تكرار الشيء نفسه وتوقع نتائج مختلفة، وهاهم المسلمون بعد أن صاموا ألفاً
وأربعمائة مرة يصومون مرة أخرى ويعدون العدة للضربة القاصمة وهي الدعاء على الكافرين و الظالمين في
العشر الأواخر وفي ليلة القدر وفي الثلث الأخير من الليل وعند الإفطار، وأبشرهم منذ الآن أن شيئاً من ذلك لن
يحدث وأنهم ينفخون في قربة مقطوعة.
على أية حال، أرجو أن يكون كلامنا خفيفاً على الصائمين، وأرجو من كل مريض يدعو في هذا الشهر أن يجرب
بول البعير فهو وصفة نبوية معروفة ومضمونة كما في صحيح البخاري، وإذا لم ينفع الدعاء ولا بول البعير
فأنصحه أن يبصق على صنمه ويحطمه، وأرجو من كل شاب أعزب يدعو الله في رمضان أن يعينه على الزواج
أن يستعد لصوم طويل قد يستمر طوال العمر عملاً بنصيحة الرسول لمن لم يستطع الباءة بالصوم، كما أرجو أن
لا يعيق كلامنا هذا الصائمين عن متابعة حسناوات الفضائيات وحظاً سعيداً للجميع في دعائهم وموعدنا عيد
الفطر، أليس الفطر بقريب؟