الحطيئة ينطق كفراً...
حكيم الليبي
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص
ووأسفا كم يظهر النقص فاضل ............أبو العلاء المعري
توطئة:
الحطيئة شاعر عاصر الجاهلية والإسلام واسمه جرول بن أوس بن مالك، ويكنى أبا مليكة، ولقب بالحطيئة لقصره
وقربه من الأرض وقد اشتهر ببذائته وفحشه وقذاعة لسانه وهجائه للجميع حتى هجا أباه وأمه ونفسه.
وقد اخترت الحديث عن الحطيئة لأنه لا يزال حياً بيننا، يؤذينا ببذائته، ويحرجنا بفحشه، ولا نملك أن نحاوره بعقل
أو بمنطق فهو منهما خواء.. وهو يصمت دهراً إذ هو أحوج ما يكون للكلام، وينطق كفراً إذ هو أحوج ما يكون
للصمت.
وقبل أن أسترسل في كلامي دعوني أبين نقطة خلاف جوهرية بين حطيئة الأمس وحطيئة اليوم: وهي أن حطيئة
الأمس كان يملك ملكة شعرية وإبداعاً أدبياً وظرفاً، وطرفاً من روح الفكاهة تكاد تغفر له فحشه بينما لا يملك
حطيئة اليوم من ذلك شيئاً فلا هو بالأديب ولا هو بالشاعر ولا هو بالمفكر ولا هو بالظريف ولا هو في العير ولا
في النفير.. وهو بريء من الشعر والأدب والظرف براءة الذئب من دم ابن يعقوب.. غاية ما هنالك أن حطيئة
اليوم يمسك قلمه بين الحين والآخر ويسود الصفحات بما يعتمل في صدره من حقد على البشرية والحضارة،
وعلى الفكر والمفكرين...
وإذا كان حطيئة الأمس يعيش في البادية بجسده فحطيئة اليوم يعيش في البادية بعقله.. فلم يدرك بعد مصطلحات
العصر، فالحوار عنده لا يكون إلا باستخدام السيوف والسكاكين ومباضع الجراحين.. ولا يدرك شيئاً عن الحوار
والتسامح الديني والمؤاخاة الإنسانية والتربية والتهذيب بل يحن إلى أيام القطع والجلد والرجم وسمل الأعين
وضرب الأعناق والتشهير بالناس في الأسواق... ولا يزال يستخدم مصطلحات بذيئة كـ"صوت الحمير! بهائم!
مواخير! عفونة! نتانة! بعير أجرب! .. الخ..
والحطيئة ينعم بالتسامح الديني في الغرب ويدعو إلى النرجسية الدينية في الشرق، ويؤيد الدولة العلمانية في
الغرب ويدعو إلى الدولة الدينية في الشرق، ويناصر حرية التعبير في الغرب ويدعو إلى كسر الأقلام وإخراس
الألسن في الشرق، ويبارك حرية العقيدة في الغرب ويدعو إلى تطبيق حد الردة في الشرق، ويعيش لاجئاً طاعماً
من جوع آمناً من خوف في بلاد الغرب ويدعو إلى ثقافة أهل الذمة الذين يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
ويطل علينا الحطيئة في مواقع الإنترنت أو في فضائيات الهوس الديني بعين عوراء حيناً وبيد ذات مخطاف حيناً
آخر، وحيناً ثالثاً بلحية يصدق فيها قول الشاعر:
ألا ليت اللحى كانت حشيشاً
فنعلفها خيول المسلمينا
يطل علينا ليلقن الغربيين دروساً في أصول الكراهية والتعصب والاستعلاء الديني وطقوس الولاء والبراء، ولا
يملك الحطيئة ذرة واحدة من حياء تدفعه إلى مغادرة هذا البلد الذي ينعته صباح مساء ببلد اللواطة والفحش..
وكأني بأهل هذه البلدان يقولون له "جئتنا لاجئاً فآويناك، وجائعاً فأطعمناك، وجاهلاً فعلمناك، فإذا كنت تكرهنا بعد
كل ذلك فلم لا تغرب عن وجوهنا وتذهب إلى حيث تقيم دولتك الفاضلة على ما شئت من أيادٍ مقطوعة وجلودَ
ممزقة وأشلاءَ متناثرة؟"..
ولكن الحطيئة كائن طفيلي لصيق بمجتمع اللواط والفحش فلن يتنازل عن جنسيته ولن يمزق جواز سفره الغربي
احتجاجاً على مقتل اخوانه في العراق وأفغانستان، ولن يغادرهذا المجتمع إلى أي مكان.. وحتى لو قامت الدولة
الإسلامية في أحد الكهوف فإنه لن يذهب إلى هناك بل سيظل في الغرب يحث الناس ويحرضهم على الهجرة إلى
ديار الإسلام بينما ينعم أولاده بالدراسة والعلاج في بلد اللواط، كما يفعل جميع المشايخ الذين يحرضون الشباب
على الجهاد في أفغانستان والعراق بينما يدرس أولادهم في الجامعات الغربية.
لا.. لن يذهب الحطيئة إلى جبال تورا بورا حيث تتنزل الملائكة لنصر المجاهدين لأنه لا يطيق شظف العيش،
ولن يحاور أحداً بالحجة والمنطق لأن يديه منهما صفر، ولكنه سيبقى في الغرب ينافق الغربيين بصورة مزورة
عن سماحة الإسلام وعن حبه للحرية والديمقراطية.
وإذا سألت الحطيئة عن هذا التناقض لقال لك ان الأرض أرض الله! ونحن لا نجزم في هذا الأمر برأي لأننا لم نر
حجة الملكية هذه، ولا نحبذ استعمال هذه المصطلحات الضبابية، ولكن ما رأيناه هو أن أتباع الله ما حلوا في بلد
إلا وحاق بها الخراب، وما تركوها إلا وحل بها العمران.. وخير دليل على ذلك ان كل دعاة الإسلام لا ينعقون إلا
من الغرب حيث تضعهم القوانين العلمانية بعيداً عن دائرة التشريع لتقي الناس من شرورهم.
والحطيئة أسير أوهامه
وأمجاده الغابرة وأساطيره البائدة، ولم يعد له مكان في عالم الواقع فأصبح يعيش في كتب التاريخ يمارس نرجسيته
بين صفحاتها.. ولسوء حظه فإن كتب التاريخ ضاقت به أيضاً فلم يعد يجد فيها راحته المنشودة، فقد كان الحطيئة
يظن أن ما في تاريخه من البشاعات هو مما افتراه المستشرقون فإذا به مسطورٌ بيد علمائه من قبل أن يولد هؤلاء
المستشرقون بقرون عديدة، فأنحى الحطيئة باللائمة على الناس جميعاً لأنهم لا يستطيعون أن يفهموا الرحمة في
قتل الأطفال، والحرية في استرقاق الناس، والعفة في نكاح الجواري، والحكمة في بتر الأيدي وقطع الأعناق
ورجم البشر، وحرية الإعتقاد في حد الردة.
والحطيئة يعيش حالة من الإنكار التام:
فهو لا يزال يعتقد أنه سليل خير أمة أخرجت للناس وانه مكلف بهداية البشرية ولا يدرك أن أمته الآن شر أمة
أخرجت للناس، وأن البشرية لا تريد منه هداية ولا ضلالة ولا خيراً ولا شراً، بل تتمنى أن تقيم بينها وبين أمثاله
سوراً كسور الصين العظيم لو استطاعت إلى ذلك سبيلاً... ولا يستطيع الحطيئة أن يدرك كما يدرك كل ذي عقل
أن مشروعاً حاول الناس بمختلف اتجاهاتهم وأزمانهم وأماكنهم الجغرافية تطبيقه على مدى
أربعة عشر قرناً
ففشل في كل مرة هو مشروع غير قابل للنجاح لأنه لا يحمل بذور النجاح وهو غير قابل للنجاح أصلاً إلا لفترة
وجيزة يحميها السيف.. فلا يمكن أن يكون الخطأ دائماً في التطبيق..
وإذا كان الخطأ في التطبيق فلم لا نقول ذلك عن التجربة الشيوعية التي استمرت
سبعين عاماً فقط؟
وهل يمكن أن نقول ذلك على تجربة "عصر" الجماهير التي قاربت عقدها الرابع ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً؟ هل
يحق لأحد أن ينحي دائماً باللائمة على التطبيق ويعفي النظرية؟
والحطيئة مراوغ بامتياز:
فبدلاً من أن يصلح ثقافته ليزيل منها مظاهر الظلم والتمييز والوحشية تراه يعمد إلى ثقافة العصر محاولاً تشويهها
لتنسجم مع ثقافته، ولا عيب في تكييف ثقافة العصر لتتلائم مع عادات وتقاليد شعوب معينة ولكن كيف لك أن
تكيف المساواة لتدخل فيها التمييز؟ وكيف تكيف العدل ليحوي بداخله الظلم؟
أنشأ الحطيئة جمعيات لحقوق الإنسان ليستفيد من تقديس الغرب لهذه الحقوق في مساعدته في الضغط على نظم
الحكم الدكتاتورية في بلده، ولكنه لا يخبر هؤلاء أن المرأة في ديمقراطيته الإسلامية لا تستطيع الترشيح للمناصب
وبعضهم يمنعها من التصويت فضلاً عن الترشيح، وبعضهم يمنعها من قيادة السيارة وبعضهم يمنعها من التعليم،
وبعضهم يأمرها أن تغطي وجهها، وبعضهم لا يسمح لها بالخروج من بيتها بحسب موقعهم من الطيف الديني
وتعمقهم في شرائع التلمود التي نقلت بإخلاص شديد للشريعة الإسلامية.
ولا يخبرهم الحطيئة أن شريعته في سياق عدائها الأزلي للمرأة منذ أسطورة آدم وحواء والشجرة المحرمة تعتبر
شهادة المرأة نصف شهادة فيما دون الحدود، ولا تقبل شهادتها أصلاً في الحدود، ولا ترث إلا نصف ما يرث
الرجل، ولا تسافر إلا بمحرم فهي إنسان ناقص أو نصف إنسان في أحسن الأحوال.
ولا يقول الحطيئة لجمعيات حقوق الإنسان الغربية أن ديمقراطيته المنشودة تميز بين الناس على أساس الدين،
فغير المسلم في بلاد المسلمين هو من أهل الذمة لا يجوز أن يتولى المناصب العامة ولا أن يرشح نفسه
للانتخابات ولا بد أن يدفع الجزية
وهو صاغر
حسب الشريعة الإسلامية، ولكن الحطيئة يتعامل معهم بعقلية
"خلي التبن مغطي إشعيره"
إلى أن تقوم الدولة الإسلامية وعندها لكل حادث حديث.
ويعاني الحطيئة من عقدة الإضطهاد:
فيظن أن العالم بأسره يتآمر ليحارب دين الإسلام، ويشتكي أنهم يحاربون الحجاب ونسي أن دينه كان يسبي النساء
ويقسمهن غنائم بين الفاتحين، ونسي أنه كان يفرض الجزية على أهل الذمة ولا يقبلها منهم إلا وهم
صاغرون،
وأنه كان يفرض عليهم لبس الزنانير وجز مقادم رؤوسهم وإخفاء شعائرهم الدينية، ونسي أن عمر بن الخطاب
كان يجبر الإماء بالضرب على نزع الحجاب فهذه بضاعتكم ردت إليكم فلماذا تحتج؟
ويظن الحطيئة أن مجموعة قيمه هي أول وآخر ما عرفته البشرية من القيم ولا يدرك أن هناك أمماً قد بلغت من
الحضارة مبلغاً لم تصله أمة الإسلام حتى يومنا هذا، فقد كانت أثينا تناقش مسائل الفلسفة حينما كان الأعراب
يستعملون الأحجار للإستنجاء، وقد بنى الفراعنة الأهرام قبل خمسة آلاف سنة من ظهور مجموعة قيمه المنسوخة
من اليهودية والوثنية فمتى يدرك الحطيئة أنه ليس محور الكون؟
وعلى سبيل المثال دعونا ننظر إلى قيمة مهمة كقيمة
التسامح الديني
وكيف أثر ظهور الإسلام عليها:
لقد كانت مكة في القرن السابع مجتمعاً متعدد الأديان بكل ما تعنيه الكلمة فقد كان للوثنيين أوثانهم التي بلغت
ثلاثمئة وستين صنماً، وكان هناك من يدين بالمسيحية كورقة بن نوفل، وكان هناك من يدين يما يسميه دين
إبراهيم، ولا شك أنه كان هناك من لا يؤمن بأي من ذلك.. بل كان هناك من هو أشد بغضاً للأوثان وإدراكاً
لمفهوم الإله الواحد من الرسول ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي لقيه الرسول قبل الوحي فدعاه الرسول إلى
سفرة فيها لحم فقال زيد للرسول (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه) !!
وهذه رواية الحديث بلفظ البخاري.. ولم نسمع أن شخصاً قتل شخصاً لإجباره على عبادة صنم دون آخر، ولم
نسمع أن قريشاً تعرضت لمن اختار الحنفية دون الوثنية، ولم تضغط على من اختار النصرانية، ولم تقم حروب
من أي طرف لإجبار طرف آخر على معتقد معين، فماذا حدث لهذه القيمة الإنسانية بعد قيام دولة الرسول؟
لقد دخل الرسول المدينة لاجئاً من مكة ولم تمض بضع سنوات حتى قتل من سكانها اليهود من قتل وأجلى الباقي
زاعماً في مرة أنهم ناصروا قريشاً وفي مرة أخرى أن جبريل أخبره بأنهم أرادوا أن يلقوا عليه حجراً.. ولم يقبل
الرسول من العرب إلا الإسلام أو السيف ولم يعطهم فرصة اختيار الجزية فهي للنصارى واليهود فقط، وقد قابل
الرسول صنيع النجاشي باستضافة المسلمين في محنتهم بقوله
(لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً – رواه أحمد والترمذي)
لقد حول الرسول مكة وجزيرة العرب من ملتقى ثقافي تجتمع فيه كل الديانات ويتناقش فيه الناس بكل حرية إلى
بؤرة للتعصب والتطرف الديني والذي لم تشف منه هذه الأمة حتى يومنا هذا .. ولا نتوقع من الحطيئة طبعاً أن
يعرف شيئاً عن التسامح الديني سوى معرفته بأن الغرب يجب عليه أن يسمح له بإقامة شعائره ولكنه باعتباره
طفل الله المدلل لا ينبغي عليه أن يعامل الناس بالمثل.
ودعونا ننظر إلى قيمة أخرى من القيم التي رسخها الإسلام بتأمل هذه الآية من سورة التوبة
(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا)
يقول السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن أن الرسول قال للجد بن قيس:
هل لك في بنات بني الأصفر؟
فقال: يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحداً أشد عجباً بالنساء مني وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن
يفتنني فأذن لي فنزلت الآية..
وهنا نرى الرسول يحرض هذا الرجل على الجهاد ويعده سبايا من بنات بني الأصفر أي الروم بدل أن يحثه على
الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، ولا نريد أن نعلق على هذه القيم الإنسانية الرفيعة، ولكني أريد أن أعلق على
رد فعل هذا الرجل الذي أحرج الرسول بقوله أنه يخاف الفتنة على نفسه، وهو موقف محرج أن يتلقى رسول من
السماء درساً في العفة من رجل من عامة الناس، والرجل محق بلا شك فهو يتبع وصايا هذا الدين، ولكنه لم يدرك
أن لا مكان للمناقشة وانه لا بد وأن يكون مبرمجاً كالرجل الآلي ويتبع ما يملى عليه.. ومن المفيد أيضاً تأمل رد
فعل الرسول إذ أنزل في هذا الرجل آية تصمه بالنفاق، وهذا ما درج الرسول على فعله مع كل من خالفه الرأي،
فقد سمى عمه عبد العزي أبا لهب لأنه لم يؤمن به، وسمى زوجته "حمالة الحطب"، ونعت أبا الحكم بن هشام بأبي
جهل، وسمى الوليد بن المغيرة "بالعتل الزنيم" والزنيم هو الدعي بن الزنا، وهذا من أدب الأنبياء، كما نعت حقبة
كاملة بالجاهلية، ووزع الألقاب بسخاء على أصحابه الذين لم يناقشوه في شيء بل صدقوا بكل ما اخترعه فسمى
هذا صديقاً وذاك فاروقاً وهذا ذا النورين، وذاك أمين الأمة وهلم جراً.. فهذه سياسة حرب إعلامية لا تخفى فتأمل!
والحطيئة مفترٍ أيضاً:
فإذا لم تقبل مجموعة قيمه أو بعضاً منها فأنت ولا بد تدعو إلى الإباحية والفجور، فهو قد صادر الحقيقة وختمها
بختمه.. ولا يدرك الحطيئة أن قيم العفة معروفة وموجودة في كل الثقافات وأن مجتمعاته التي يرتفع فيها الأذان
وتقام فيها الصلوات وتقفل الطرقات لصلاة الجمعة وتعطل الأعمال لصوم رمضان، هذه المجتمعات تعرف حظها
من ألوان الفسق والفجور والانحلال ولكنها تتقن فن إخفاء الفساد والتظاهر بالعفة، وما يظهر على السطح في
الفضائيات هو قمة جبل الجليد، وما خفي كان أعظم، ولكن الحطيئة ينسب هذا الفساد إلى البعد عن الإسلام وهذا
ما يقوله المسيحيون واليهود والسيخ والهندوس والبوذيون المحافظون.
والحطيئة يكيل بمكيالين:
فهو يستنكر الحروب الصليبية باعتبارها عدواناً صارخاً على الأمة الإسلامية وجريمة لا تغتفر في حقها، وينسى
أن الحروب الصليبية جاءت لاحقة للفتوحات الإسلامية وليست سابقة لها، وانه هو أول من خاض الحروب
المقدسة ضد شعوب الأرض فاحتل اسبانيا لثمانية قرون كاملة ووقف على مشارف فرنسا والنمسا، ولكنه يعتبر
حروبه الدينية جهاداً مقدساً وعملاً نبيلاً وحروب الآخرين ظلماً وعدواناً..
والحروب الصليبية هي حروب شُنت في الأساس بزعم تطهير بيت المقدس من دنس المسلمين وقام فيها القساوسة
بتجنيد الفلاحين البسطاء للقتال بعد أن باعوهم صكوك الغفران الشهيرة.. وهذا ولا شك فصل من فصول استغفال
الناس واستهبالهم باسم الدين ونحن نستنكره كممارسة دينية بغيضة، ولكن الإنصاف يقتضي أن تستنكر جميع هذه
الممارسات بدون انتقائية.. فما معنى أن تستنكر الحروب الصليبية المقدسة وتثني على الجهاد المقدس؟ وما معنى
أن تهزأ بمن أصدر صكوك الغفران منذ عدة قرون وأنت تصدرها حتى يومنا هذا
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)؟
ما الفرق بين هذه الممارسات سوى أن من يمارسها هو بشر في الحالة الأولى وفي الحالة الثانية هو إله ناطق
بلسان بشر أو بشر ناطق بلسان إله ؟ وما معنى أن تستبشع إخراج المسلمين من بيت المقدس بزعم دنسهم وأنت
تحرم جزيرة العرب على غير المسلمين بزعم نجاستهم
(إنما المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا - التوبة)؟
وزيادة في الإفتراء فإن الحطيئة ينسب الحروب الصليبية للعلمانية والليبرالية ولا أدري أي علمانية هذه التي كانت
تحكم أوروبا في ذلك الحين؟ لقد كانت أوروبا ترزح تحت الحكم الديني البغيض الذي أفرز هذه البشاعات وهذا ما
يحاول الحطيئة إرجاعه ليحكمنا اليوم زاعماً أن وصفته الدينية التي أنتجت البشاعات على مدى أربعة عشر قرناً
هي أفضل من الوصفة الدينية الغربية!!
والحطيئة لا يحسن حتى قراءة كتبه وتدبرها، فهو لا يتقن إلا فن حرق البخور فيقول مثلاً أن الجميع كفاراً
ومشركين كانوا يشهدون للرسول بالصدق ويدعونه بالصادق الأمين، وهذا زعم ينفيه القرآن نفسه إذ يقول
(أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ – سورة القمر)
وقالوا أيضاً
(وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)
.. فإذا كان القرآن يشهد أنهم اتهموا الرسول بالكذب فمن أين جاء الحطيئة بأن الجميع شهدوا للرسول بالصدق؟
وإذا كان الرسول مُصدَقاً عندهم فلم لم يصدقوه عندما جاء بالوحي؟ لماذا لم يؤمن عمه أبو طالب وعمه أبو لهب؟
لماذا لم يؤمن عمه العباس إلا بعد أن أيقن أن الريح في صالح محمد؟ لماذا لم يؤمن عمه حمزة إلا حمية لتطاول
أبي الحكم على ابن اخيه؟ لماذا لم تؤمن زينب بنت الرسول وظلت مع زوجها المشرك حتى بعد غزوة بدر؟ لماذا
لم يؤمن شعراء وفصحاء العرب الذين يفترض أن القرآن أعجزهم؟ لماذا لم يؤمن أغلب هؤلاء إلا بعد أن رأوا
السيف؟ ولماذا ارتدت غالبية العرب بعد وفاة الرسول إذا كانوا مقتنعين بإعجاز القرآن وبصدق الرسول؟ لماذا لم
يرجعوا إلا بعد أن رأوا سيف خالد بن الوليد؟
والحطيئة مدلس أيضاً:
فهو يستشهد بالحديث الضعيف متى وجده موافقاً لهواه .. فهو يورد القصة المشهورة التي درسناها في المدارس
عن عرض قريش على الرسول أن يترك الدعوة إلى الله ويؤتوه من المال والجاه ما يشاء فيرد عليهم
(والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك دونه
ما تركته)..
ودع عنك الركاكة الواضحة في ألفاظ هذا الحديث والتي لا تحتاج لعالم في الحديث ليدرك أنه موضوع.. وهي
لغة إن صلحت لشريط سينمائي كشريط "الرسالة" لدغدغة مشاعر العوام فإنها لا تصمد في ميزان النقد العلمي ..
وقد تصدى لهذا الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وضعفه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.. أما
حديث الغرانيق والذي ورد من مصادر عديدة وصححه الحافظ بن حجر وفي القرآن آية تدل على معناه فهو
يضرب عنه صفحاً لأنه لا يخدمه في دعواه.
والحطيئة هنا إما أنه يدرك أن الحديث ضعيف ويستدل به على الرغم من ذلك فيكون بذلك مدلساً، وإما أنه لا
يدرك ضعف الحديث فتكون المصيبة أكبر إذ أن حظه من علوم العصر لا يذكر، فبم يشغل نفسه إذن إذا لم يميز
الصحيح من الضعيف وهي كل بضاعته من العلم؟
والحطيئة مغالط أيضاً:
فهو يقول أن الرسول رفض الزواج بأجمل نساء مكة وهذا نصف الحقيقة، ونصفها الباقي
أنه تزوج
بأغنى
نساء مكة حتى ماتت بعد خمس وعشرين سنة ولم يتزوج عليها أو يتسرى، ثم تزوج فعلاً
بأجمل
النساء وأصغرهن سناً حتى بلغ عدد نسائه أربعة عشر غير ملك اليمين ومن وهبن أنفسهن له.. والرسول نفسه
يكذب هذا القول إذ يقول
(حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء)
فمن أين أتى الحطيئة بهذه المزاعم؟
ولا ريب أن الحطيئة يحس بمرارة شديدة جراء عجزه عن الإجابة عن الأسئلة المنطقية البسيطة التي تنخر في
بنيان ثقافته الدينية المتهاوية، وهو في هذا معذور إذ أن أرباب الفكر الديني مجبولون على حب التقليد وكره
التفكير وعبادة الأسلاف وتقديس النصوص وحرق البخور والرقص في حلقات الذكر، ولا يدركون من اللغة إلا
أفعل التفضيل: فالرسول هو
أفضل
الخلق، ونساؤه هن
أكمل
النساء، وأصحابه هم
أحسن
الناس، والقرآن هو أصح كتاب، وهدي الرسول هو
خير
الهدي، وعصر الرسول هو
خير
القرون.. وهكذا .. بل وصل بهم الهوس الى القول بأن عرق الرسول
أطيب
من ريح المسك... فهذه مدونة مديح لم تتعرض للنقد والتحليل قط، ولن يدعها الحطيئة تخضع للنقد والتحليل الذي
سيظهر بشريتها ولو أطاح برؤوس من أتعسهم الحظ بالوقوف في طريقه.
ولكي يخرج الحطيئة من مأزقه يلجأ لحجة بسيطة يدركها العقلاء ولا تنطلي إلا على أصحاب العقول الساذجة
وهي أحجية المحكم والمتشابه والتي أشبهها بالبيضة والحجر.. ولشيوع هذه الحجة واستخدام الكثيرين لها فاني
سأتعرض لها ببعض التفصيل.
دعونا على سبيل الجدال نفترض أن شخصاً ما جاء بنظرية علمية أو فلسفية جديدة وزعم أنها تفسر نطاقاً معيناً
من الظواهر الطبيعية أو المسائل الفلسفية.. وساق هذا الشخص مجموعة من الحجج التي تدعم نظريته تلك.. ثم
بدأ العلماء أو الفلاسفة في مناقشة هذه النظرية فوجد بعضهم فيها ثغرات منطقية فساقها إلى صاحب النظرية
ليزيدها إيضاحاً او ليقصر نطاق صلاحيتها مكاناً او زماناً.. فماذا فعل صاحب النظرية؟
اخترع صاحب النظرية مصطلحاً جديداً أسماه "المتماثل" على سبيل المثال، وأضاف إلى نظريته نصاً مفاده أن كل
تناقض في هذه النظرية هو في واقع الأمر "متماثل" وأنه يمنع أن يتعرض أحد لهذا "المتماثل" بالنقد ويحرم النظر
إلا في ما هو منسجم "محكم" وغير متناقض!!
إذا كان لصاحب نظرية أن يفعل هذا لما بطلت أي نظرية ظهرت على وجه الأرض، فلا توجد نظرية إلا وتفسر
ظاهرة أو أكثر ولكنها تفشل في تفسير ظواهر أخرى بما يسقطها من حساب العلماء والناس، وإذا ظهرت في أي
نظرية متناقضات فإن صاحبها إما أن يحورها أو يخصصها أو يعلن خطأها ويتبرأ منها.. أما أن ينهر الناس عن
نقد خطئها ويدعوهم إلى تأمل صوابها فقط فهذا ما لم نسمعه إلا من أرباب الفكر الديني.
وبالعودة إلى قصة المحكم والمتشابه نقول أن الرسول قد حصن نفسه باختراع هذا المصطلح: مصطلح
"المتشابه والمتشابهات"
ليتجنب الإجابة على مثل هذه التناقضات التي تظهر في ثنايا القرآن، وهو مصطلح قرآني بامتياز ويتحدث عنه
الحطيئة وكأنه مصطلح كوني يفسر المتناقضات، فمتى يفهم الحطيئة أن القول لا يكون حجة على نفسه، وان
شهادة المرء في نفسه مطعون فيها، وأن مصطلح المتشابهات انما هو من اختراع محمد ليهرب به من تفسير
التناقضات فلا حجة له فيه؟
ولعل القارىء يذكر من مقالات سابقة أن حجة الابتلاء والاختبار هي الحجة النبوية المفضلة ونضيف هنا أنها
الحجة الإلهية المفضلة أيضا،ً فكلما عجز الإله عن تفسير شيء زعم انه ما فعله إلا اختباراً وابتلاءً للمؤمنين، وخذ
مثلاً هذه الآية التي يسوقها الدينيون دائماً
(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ – آل عمران)..
وهذه الآية لا تفسر لماذا ينزل الإله آيات متشابهات بل تعمد إلى التحريض على من يحاول التدبر فتصفه بالزيغ
وتحرض عليه المؤمنين بزعم ابتغائه للفتنة، ثم تمضي إلى القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله .. وهذا ما لم يجادل
فيه أحد ولكن لماذا ينزل الله كلاماً لا يمكن للبشر تأويله ولا يعلمه إلا هو؟ أليس هذا نوعاً من العبث الذي ينبغي
أن يتنزه عنه الإله؟ أليس القرآن كتاباً للبشر بالدرجة الأولى؟
ثم دعونا ننظر إلى آية أخرى في سور هود
(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
.. وتقول هذه الآية أن هذا الكتاب وهو القرآن قد أحكمت آياته .. وهو ما يتناقض مع الآية الأولى التي تقول أن
بعض الآيات محكم وبعضها متشابه.. وكان الاولى بالله أن يقول "كتاب أحكمت
بعض
آياته.. أو
معظم
آياته" ما دامت بعض آياته غير محكمة. ثم ألا يستطيع الإله أن يجعل كل آياته محكمة؟ ما الذي يميزه عن البشر
إذا كان يحتاج إلى اختراع المصطلحات لتبرير تناقضه؟
ولتفسير ذلك يذهب الحطيئة مذهباً طريفاً وهو أن من يتدبر القرآن بقلبٍ مؤمن هو غير من يتدبره بقلب غير
مؤمن.. وهذا يتطلب من الإنسان أن يكون مؤمناً بالقرآن سلفاً، ولكن ماذا عن غير المؤمنين الذين يريدون قراءة
القرآن بحثاً عن الدين الحق؟ أليس القرآن كتاباً لكل البشرية؟ كيف يتدبر هؤلاء القرآن؟ وكيف تتغير الحقائق أو
تزول التناقضات بتغير أحوال القلوب؟ انها تتغير بطريقة واحدة فقط: وهي أن المؤمن سيمر على هذه التناقضات
ويلوم نفسه ويسلم بها ويمضي في حال سبيله .. وهذه وصفة كارثية لأنها تسمح بمرور كل الخرافات .. ولا
أتحدث هنا عن الإسلام فقط بل كل الأديان.. فإذا كان كل دين يحث أتباعه على سلوك هذا النهج وعدم التفكير في
المتناقضات فكيف للناس أن يدركوا الحق من الباطل؟ نحن نفهم أن يقول الأنبياء هذا لأتباعهم لأن لهم فيه مصلحة
ولكن لا نفهم أن يقوله شخص عاقل أو هكذ نفترض.
ثم يطمئن الحطيئة نفسه بأن لو كانت هذه متناقضات لاكتشفها علماء المسلمين ولما مرت على مليارت المؤمنين
بهذا الدين وينسى أن الحق لا يصير حقاً بكثرة معتقديه، وأن الكثرة لو كانت تغني في الحق لكانت المسيحية
وربما البوذية أصح من الإسلام وأولى بالاتباع..
ويتحدث الحطيئة عن الرسالة التي انتصرت إلى الأبد، ونحن نعلم أن هذه الرسالة انتصرت يوم كان الحكم
للسيف، أما عندما صار الحكم للعلم فقد انزوت في متاحف التاريخ.. فليس لأتباع هذه الرسالة نتاج علمي ولا
فكري ولا أدبي ولا مساهمة في الحضارة البشرية من أي نوع إلا إذا عددنا تفجير محطات القطارات، وهدم
المباني بالطائرات، ونثر أشلاء البشر بالسيارات المفخخة، والهجوم على مدراس الأطفال، وذبح البشر على مرأى
من آلات التصوير هو مساهمة هذه الرسالة وأتباعها في الحضارة البشرية.. ويظن الحطيئة أن مجرد الوجود
البيولوجي لأتباع ديانة ما هو انتصار لها إلى الأبد، وبهذا المعيار فقد انتصرت اليهودية الى الأبد فأتباعها على
قلتهم لا يزالون موجودين على رغم ما تعرضوا له من محارق نازية، وانتصرت المسيحية إلى الأبد فأتباعها
منتشرون في أصقاع الأرض، وقل مثل ذلك في البوذية والهندوسية وما يقارب من ألفي ديانة تنتشر في أصقاع
الأرض فعن أي انتصار يتحدث؟
ويزعم الحطيئة معرفةً بسنن التلاشي وهذا ما لا شك فيه فهو يشاهد ثقافته البدوية تتلاشى من خارطة الأرض،
وأمته تعيش عالة على كافة الأمم في مأكلها وملبسها وتعليمها وفي كل أمرها، ويزداد أتباعها بالتناسل لا بالفكر
والإقناع ويمني نفسه بأن هناك إلهاً في السماء يتربص الفرصة بكل الأمم لينقض في اللحظة المناسبة على ظهر
حيزوم ويحسم المعركة نهائياً لصالح أمته المتلاشية .. وحتى ذلك الحين سيظل الحطيئة يبيع الوهم للمتوهمين
ويجتر معارفه البالية ويعيد انتاجها ويلتمس الأعذار لإلهه المتناقض حتى يدركه التلاشي.