أحجيات دينية..[2]
حكيم الليبي


أحجية الاطمئنان:
يقول القرآن في وصف المؤمنين (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب - الرعد) وهذا وصف جميل وكثيراً ما يحتج به المؤمنون، بل ويجد بعضهم أن القرآن يجلب الطمأنينة فعلاً، ومن نافلة القول أن المسيحي يجد نفس الطمأنينة في كتابه "البشري المحرف"، كما يجدها اليهودي في التوراة، فالإنسان حبيس أوهامه، ويستطيع أن يطوع عقله ليقبل ما يريد أن يقبله.. وكل يطلب الراحة فيما يراه محقاً كان أم واهماً .. وإذا طلب المرء الطمأنينة في شيء قرآناً كان أم شعراً وتحقق له ذلك فقد أدى ذلك الشيء غرضه، ولكن القرآن يصر على إرباك ذوي العقول السوية إذ نجده يقول في آية أخرى في سورة الأنفال (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وَجلت قلوبهم)!! فنحن هنا أمام معضلة.. فالفعل هو ذات الفعل وهو ذكر الله، والفاعل هو نفس الفاعل وهو المؤمن، ولكن الله يقرر في الآية الأولى أن ذكر الله يطمئن القلوب ثم ذكر في الثانية أنه يصيب القلوب بالوجل وهو الخوف والاضطراب.. فهلا أفتانا العلماء في هذه المعضلة؟ هل تطمئن القلوب بذكر الله أم توجل؟

لاشك أن نصوصاً كهذه هي التي جعلت من ممارسة التفكير المزدوج (Double Think) ممارسة شائعة عند الفقهاء لتفسير هذه التناقضات.. هذه الممارسة انتقلت بالفقهاء إلى مرتبة الحواة.. فكلما تفتق ذهن الفقيه عن حيلة لتبرير تناقض ما كلما زاد الثناء عليه ونعتوه بأنه ممن فتح الله عليهم بالفهم، وتشوف التلاميذ لتقليده.. وها نحن في القرن الواحد والعشرين نجني ثمار التفسير والتبرير وازدواج المعايير وقلب المفاهيم وخلط الأوراق وتشويه الحقائق والتحليق في فضاءات الوهم والتمسك بأحلام التفوق وتصور القدرة على قيادة البشرية بل ووجوب ذلك، وخوف الأخذ من ثقافة الآخر والانغلاق على ثقافة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها بحسبانها هدي خير القرون الذي لن يصلح آخر هذه الأمة إلا به، ومحاربة مشروعات الحداثة والتطوير.

أحجية التبديل:
يقول القرآن (لا مبدل لكلمات الله) ويقول أيضاً (لا مبدل لكلماته – الأنعام والكهف) والآية تعني أحد أمرين:

1- إما أن الله لا يبدل كلامه وهذا شيء مفهوم بل وواجب في حق الإله، فكيف يليق بإله أن يبدل كلامه وهو كلي العلم وأزلي الوجود وعالم بالغيب، وحافظ لكلامه في اللوح المحفوظ؟

2- وإما أن الله لا يسمح لبشر بأن يبدل كلامه وهذا أيضاً مفهوم فأنى لبشر ضعيف فانٍ أن يقدر على تبديل كلام الإله الأزلي؟ وكيف يسمح له الإله بتبديله؟

ولكن تواجهنا معضلتان. الأولى: أن الله نفسه يبدل كلماته التي أكد أن لا مبدل لها فيقول (وإذا بدلنا آيةً مكان آيةٍ والله أعلم بما يبدل قالوا إنما أنت مفتر - النحل).. فهذه الآية تقول أن الله يبدل الآيات بآيات أخرى، ويقر بأن الكفار والمشركين استنكروا أن يتراجع إله في كلامه ويبدله فاتهموا محمداً بالافتراء، وكعادة القرآن في "الرد على الشبهات" لم يقدم أي تفسير مقنع لهذه الأحجية ومضى يكرر نفس القصة من أن القرآن نزله روح القدس بالحق إلى آخره..

كما يقول القرآن أيضاً (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أومثلها - البقرة) !! ونترك لكل من يملك ذرة عقل فما دونها أن يفهم ما الذي يضطر إلهاً إلى أن ينسخ بعض الآيات ليأتي بخير منها أو مثلها .. فإذا كانت الآية الناسخة خيراً من المنسوخة فلم لم يأتِ بها أولاً؟ وهل ثبت له بعد تجربة الآية المنسوخة أنها ليست صالحة؟ هل يستخدمنا الإله حقلاً لتجاربه؟

وإذا كان نسخ آية والإتيان بخير منها أمراً يطعن في حكمة الإله، ولكنه يظل مفهوماً في إطار التجربة والخطأ الإلهيين (Trial and Error)، ولكن ما الحكمة في نسخ آية والإتيان بآية "مثلها "؟ أليس هذا نوعاً من العبث؟ وإذا كانت الآيتان متماثلتين فلم لم يبق الآية الأولى؟ وفي خضم إتيان الإله بآية أفضل وآيات متشابهة سقط التفسير الأول بأن الله لا يبدل لكلماته..

المعضلة الثانية هي أن البشر يبدلون كلام الله بكل بساطة، بل إن البشر –حسب العقيدة الإسلامية- أفلحوا في تبديل جميع كلمات الله المتتالية بدون استثناء كالتوراة والإنجيل (1) والزبور (2) وصحف إبراهيم وما لم نعلم من كتب وصحائف، ولم يسلم من ذلك إلا القرآن.. فكيف للبشر أن يفعلوا ذلك وقد تعهد الله منذ الأزل بألا مبدل لكلماته؟

نجد في ثلاجة الأجوبة المعلبة إجابة جاهزة يستخدمها المسلمون فيقولون إن الله لم يتعهد بحفظ كتبه الأولى ولكنه تعهد بحفظ القرآن، وسؤالي هو: هل يوجد إله يعجز عن حفظ رسالاته إلى البشر من العبث؟ ثم وفي نهاية المطاف يقول لنفسه "سأكون منتبهاً تماماً هذه المرة وسأنزل رسالة لا يستطيع أحد أن يبدلها؟" .. هل يؤمن بإله كهذا شخص يحترم عقله؟ إله تستطيع مخلوقاته أن تعبث بكلماته وتبدلها؟ إله ينزل آيات يزعم أنها في اللوح المحفوظ ثم يكتشف بعد قليل أنها لم تعد صالحة فيبدلها زاعماً أنه سيأتي بأحسن منها أو مثلها؟

ألم يخطر على بال الإله في أول مرة تم فيها تبديل كلماته، ولتكن التوراة مثلاً، أن يحاول حفظها في المرة التالية، ولتكن الإنجيل مثلاً؟ لماذا يكرر الإله أخطائه مرة بعد أخرى؟ هل فطن بعد ستمائة سنة من تعليق آخر نبي (أو ابن) أرسله إلى الأرض على الصليب (3)، فطن إلى أن شيئاً ما لا بد أن يفعل إزاء هذا العبث البشري المتكرر بكلماته فأرسل رسالة خاتمة وتعهد بحفظها؟

وحتى في هذه الرسالة لم يتعلم من أخطائه فقد زعم التعهد بحفظها ولكنه كان أول من غير وبدل فيها، فيكاد يجمع علماء المسلمين أن آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - التوبة) نسخت مائة وأربع وعشرين آية!! ولعاقل أن يسأل: إذا اضطر الله نفسه أن يغير آياته مرات عديدة في ربع قرن فكيف يزعم هؤلاء أن القرآن صالح لكل زمان ومكان وهو لم يصلح لقرية بدوية صغيرة لمدة ربع قرن دون تبديل؟ وإذا قامت دولة بتبديل دستورها مرة في كل عشر سنوات لقلنا أن من خط هذا الدستور لا يفقه في القانون شيئاً، فعلى الرغم من أن الدساتير لا يطلب منها الخلود ولكن استقرارها لفترة زمنية يكسبها الاحترام.

وإذا كان تراجع الإله عن بعض ما قاله مفهوماً فكيف نفسر أن ينسخ الرسول كلام الله؟ كمثال على ذلك نورد حد رجم الزاني والذي ينص القرآن على أنه الجلد بينما يصر الرسول والعلماء على أنه الرجم للزاني المحصن، وكأن الله حينما أنزل النص الأول لم يكن يعلم أن الزناة لا بد وأن يكونوا إما محصنين أو غير محصنين، ثم استدرك الرسول على الله بأن أضاف عقوبة مشددة لمن كان محصناً..

ولمواجهة هذا التضارب المحرج ظهرت أحاديث صحيحة تقول أن الله أنزل آية في الرجم ولكنها اختفت من المصحف، وفي تفسير ذلك يقول بعض العلماء الظرفاء أن هذه الآية نسخ لفظها وبقي حكمها، وروى الطبراني وابن ماجة والدارقطني وابن يعلى أن هذه الآيات كانت مكتوبة وموضوعة تحت سرير عائشة فلما مات الرسول وانشغلوا بدفنه دخل الداجن وأكلها!!

والتفسير الأول يفتح الباب للبشر أن يبدلوا كلام الله فلا نختلف عن اليهود والنصارى في شيء، أما التفسير الثاني فيفتح الباب للقول بأن "الدواب" تبدل كلام الله .. ويجد مسلم اليوم نفسه مضطراً للإيمان بأن الله أنزل آيات ثم نسخ لفظها وأراد لحكمها أن يبقى!! وأن الداجن له سلطان على كلام الله الذي تعهد بحفظه!

ولا يزال أنصار الدولة الدينية يرفعون شعار تطبيق الشريعة حتى يومنا هذا بحسبانها المحجة البيضاء ليلها كنهارها، هذه الشريعة التي لم يفهمها أقرب الصحابة إلى الرسول فتقاتلوا بينهم قتالاً شديداً أفنى فيه مبشرون بالجنة مبشرون آخرون، وها هم ينتظرون يوم القيامة عسى أن يصدق الله وعده في قوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل)، هذا إذا لم يغير رأيه وينسخ هذه الآية أيضاً.

وإذا كانت هذه المحجة البيضاء لم تكن واضحة لصحابة الرسول في أهم الأمور وهو انتقال السلطة حتى اضطروا إلى قتل بعضهم البعض ولما يمض على وفاة الرسول ثلاثة عقود، ففيم وضوح هذه الشريعة؟ وما الذي يدعوهم إلى الاعتقاد بأن الشريعة ستكون أوضح لنا بعد أربعة عشر قرناً مما كانت للصحابة وهم من تربوا على يدي الرسول وعاصروا "الوحي"؟

أحجية المسجد الأقصى:
قصة الإسراء والمعراج هي من القصص المحلقة في عوالم الخيال والتي يختلط فيها الزمان والمكان والطبيعة وماوراءها بدرجة تجعل الفصل بينهم ضرباً من المحال.. وتصلح هذه القصة لكتاب كامل ولكني لن أعرض لها في هذا المقال بل سأعرض لأحجية المسجد الأقصى..

لعل أول ذكر للمسجد الأقصى ورد في آية سورة الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) وهذه الآية مكية وقد نزلت في بداية الدعوة، ولكن المشكلة هنا أنه لم يكن هناك مسجد أقصى ولا مسجد من أي نوع في فلسطين ولا في غيرها، فأول مسجد بناه الرسول هو في المدينة فمن الذي بنى هذا المسجد الأقصى إذن؟

قد يقول قائل: قد يكون أحد أنبياء بني إسرائيل قد بنى هذا المسجد/المعبد ولأن الإسلام هو دين الأنبياء جميعاً فلذلك ذكره الله في القرآن بحسبانه مسجداً.. فنقول إن أمكنة العبادة في الديانة اليهودية تسمى معابد (Synagogues) فهل كان هذا النبي يعلم أنه يتعبد في مسجد ولكنه يخدع أتباعه؟.. ثم إن تاريخ بناء المعبد يرجع إلى زمن لم يكن الله فيه غاضباً على بني إسرائيل فكيف يخدعهم الله بإيهامهم أن معبدهم هو في واقع الأمر مسجد؟

وبفرض أن المسجد الأقصى كان موجوداً بطريقة أو بأخرى فلماذا لم يُصلِّ فيه عمر بن الخطاب عندما فتح مدينة القدس وصلى في كنيسة النصارى؟ ترى هل أقحمت هذه الآية بعد عقود من وفاة الرسول لإضفاء قداسة استثنائية على المسجد الجديد والذي ربما بناه الوليد بن عبد الملك في مواجهة إرث تاريخي طويل لليهود والنصارى في القدس؟

ولعل القصة ترمي ضمن ما ترمي إلى هذه المصادرة، فقول الرسول بأن الله جمع له الأنبياء فصلى بهم إماماً كان نوعاً من الحرب الإعلامية بقصد رفع معنويات أتباعه الوثنيين الذين طالما شعروا بعقدة الدونية تجاه اليهود والنصارى الذين كانوا يعتقدون أنهم أهل كتاب وأصحاب صلة بالسماء، فكأنما أراد الرسول أن يمحو ذلك كله بقصة حصلت له وحده بطريقة سرية لم يطلع عليها أحد غيره. وإذا كانت المعجزة مطلوبة لإقناع الناس فلا أدري لماذا جاءت كل معجزات الرسول سرية لم يرها أحد؟ ربما لإقناعه هو شخصياً، أما نحن فالمطلوب أن نصدق معجزة لم نرها وإلا حلت علينا لعنات الآلهة.

يؤيد ذلك أيضاً مزايدة الرسول على اليهود بصوم عاشوراء وصوم يوم قبله أو بعده بزعم أن المسلمين أحق بموسى من اليهود.. ولا أدري لماذا لم يخطر للرسول أن هذا الصوم وما صاحبه من القصص ربما يكون مما أدخله اليهود على شرائعهم من تحريفات.. فالواقع يقول أنه لم يكن يدري شيئاً عن أهمية هذا اليوم لليهود.. هذا اليوم الذي نجا فيه الله بني إسرائيل وارتكب بطولات أخرى لا حصر لها فكيف غابت هذه المعرفة عن النبي؟

ولطه حسين رأي جدير بالتأمل إذ يرى أن قصة إبراهيم ليس لها وجود تاريخي مؤكد، فضلاً عن نزوله إلى الجزيرة العربية وبنائه للكعبة، وإنما هي قصة اخترعت أساساً لإثبات وجود صلة بين اليهود والمسلمين من جهة وبين القرآن والتوراة من جهة أخرى – خصوصاً أن الرسول كان محتاجاً لإبراز هذه الصلة في بداية الدعوة لتأكيد مصداقيته في مواجهة الوثنيين من قريش واليهود والنصارى، كما كانت محاولة لم تنجح لاستمالة اليهود لدينه الجديد.

أحجية الأمر بالفسق:
يقول القرآن في سورة الإسراء (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) .. وهذه إحدى الآيات التي تبارى الحواة في تأويلها وصرفها عن معناها الواضح النازل بلسان عربي مبين.. فمعناها المباشر أن الله في سياق تدخلاته غير المفهومة في حياة البشر يغضب أحياناً على بعض القرى فيقرر إهلاكها.. ورغم أنه يستطيع ذلك بدون أن يقدم تفسيراً لأحد فهو يأمر مترفي هذه القرية بالفسق!! (لاحظ أنه قال سابقاً "إن الله لا يأمر بالفحشاء" ).. فإذا فسق هؤلاء فإن الله يعتبر أنه أبرأ ذمته ويصب جام غضبه على هذه القرية التعيسة فيدمرها.

ودع عنك أن الإله لا ينبغي له أن يأمر بالفسق، فإن قوله –فحق عليها القول- دليل على أن القرية لم يحق عليها العذاب إلا بعد فسق المترفين، فكيف جاز له أن يقرر هلاكها قبل أن تستحق القرية ذلك؟ وإذا كان المترفون في كل قرية قلة وأغلب الناس فقراء فلماذا يهلك الكثرة بفسق القلة المترفة؟ خاصة إذا كان هو المحرض على هذا الفسق؟

ولشد ما أكره أن أظهر بمظهر السفسطائي ولكني لا أملك إلا أن أطرح هذا السؤال: إذا كان الله قد أمر المترفين بالفسق فهل يجب عليهم طاعته أم عصيانه؟ فإذا أطاعوه فقد ارتكبوا فسقاً وجب به هلاكهم، وإن عصوه فلم يفسقوا غضب عليهم لعصيانهم إياه فما هو المخرج؟ وبعد تفكير خلصت إلى أن من أراد اتهامي بالسفسطائية فليوجه الاتهام إلى الله نفسه فهو الذي وضعهم في هذا الموقف أما دوري فيه فلا يتعدى الصياغة وإلقاء الضوء.

وكمثال على الدور الفهلوي الذي يمارسه الفقهاء، هاك طرفاً مما قالوه في تفسير أمر الله بالفسق منقولاً من تفسير ابن كثير (علامات التعجب من عندي):

واختلف المفسرون في معناها فقيل معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمراً قدرياً كقوله تعالى "أَتَاهَا أَمْرنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا" -- وقالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش!! فاستحقوا العذاب -- وقيل معناه أمرناهم بالطاعات!! ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضاً -- وَقَالَ اِبْن جَرِير يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاء -- قَالَ عَلِيّ بْن طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَقُول سَلَّطْنَا أَشْرَارهَا فَعَصَوْا فِيهَا فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكَهُمْ اللَّه بِالْعَذَابِ وَهُوَ قَوْله "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة أَكَابِر مُجْرِمِيهَا" الْآيَة وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس -- وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَقُول أَكْثَرْنَا عَدَدهمْ وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَعَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ

وسواء أمرهم بالفسق أو سخرهم لفعل الفواحش أو جعل مترفيهم أمراء أو سلط أشرارهم أو أكثر أعداد المترفين في هذه القرية فيبقى الله مسئولاً عما حدث فيها من الفسق بتحريكه لخيوط اللعبة من وراء ستار الغيب، ويبقى المسلم حائراً في فهم دوافع هذا الإله الذي يفقد صبره ولا ينتظر يوم الحساب ليعاقب المسيء ويكافئ المحسن بل يخبط خبط عشواء مهلكاً المحسن والمسيء معاً (4).

أحجية الشرك:
وهذه عزيزي القارىء أحجية عجيبة حتى بمقاييس القرآن نفسه، فالله هنا يخبرنا عن سؤاله للمشركين يوم القيامة عن سبب إشراكهم به فيقولون إن الله هو السبب في ذلك إذ لو شاء لهم عدم الإشراك لما أشركوا. وهذا منطق متسق مع المنطق الديني القائل بأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فيعيب عليهم الله هذا القول ويتهمهم بالكذب والتخرص: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آَبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ – الأنعام)

ولكن يبدو أنه نسي ما قاله في هذه الآية فنراه يقرر بكل ثقة في آية أخرى من نفس السورة ما عابه عليهم فيقول (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ – الأنعام) فهو يقر صراحة بأنه السبب في إشراكهم، فنحن هنا أمام أحد أمرين: إما أن تكون مشيئة الله سبباً في إشراكهم كما قالوا ويكونون بهذا صادقين في كلامهم، أو أن يكونوا كاذبين في هذا الزعم ويكون القرآن كاذباً أيضاً بتكذيبهم.

وأخيراً: لم أهدف في هذا المقال إلى استقصاء هذه الأحجيات، ولا مصلحة في ذلك، ولكني شئت أن أسوق بعض الأمثلة فقط، وعلى العكس ممن يقول إن الطريق إلى إزالة الشك هو بقراءة القرآن وتدبره فإني أقول إن أقصر الطرق إلى ترك الدين هو بقراءة القرآن وتدبره.. لا أقصد طبعاً قراءة القرآن على طريقة الكتاتيب ولكن بمقارنة الآيات ببعضها البعض والتحلي بروح التدقيق والتحليل والبحث، وتجاوز عقلية الاعتذار وإحسان الظن بالإله، فلا ينبغي أن يعتمد اتساق كلام الله على حسن الظن به.. وينبغي على قارىء القرآن أن يعلم أن صاحب هذا الكتاب يزعم أنه معجز ويتحدى الجميع أن يجدوا فيه اختلافاً فلا حرج إذن من محاولة إيجاد الاختلاف فأنت هنا تستجيب للتحدي المطروح، فإن وجدت اختلافاً أيقنت أنه ليس من عند الله وإن لم تجد زاد إيمانك ويقينك فأنت رابح في الحالين...

وفي الختام أستودعكم عقولكم قرائي الكرام حتى لقاء قريب إن كان في العمر بقية.


هوامش:
(1) لم يدع عيسى أن كتابأ أنزل إليه كما ادعى محمد بل قام مرافقوه بكتابة وصف عن الفترة التي قضوها معه وتشمل روايات عن رحلاته ومعجزاته ومواعظ وغيرها... وهي الأناجيل المعروفة الآن بإنجيل متى ولوقا وجون ومرقص، كما يضاف إليها مجموعة الرسائل التي كتبها بولس إلى القرى المختلفة للتبشير بدعوة عيسى..

(2) مزامير داود هي مجموعة من أناشيد الحرب والقتال وهي وإن كانت جزءاً من تراث اليهود الديني فإنهم لا يعتقدون أنها منزلة من عند الله، وقد ظن محمد أن احتفاظهم بها ضمن كتبهم يرجع إلى أنها منزلة من الله .

(3) من الطريف أن القرآن اتهم اليهود بقتل الأنبياء ولم يورد اسم نبي واحد قتله اليهود، أما عيسى والذي تجمع المصادر التاريخية على أنه صلب مع شخصين آخرين بتحريض من رجال الدين اليهود للحاكم الروماني فإن القرآن يعطيهم صك البراءة من هذه القضية. ورواية القرآن لهذه القصة مسرح للتناقضات التاريخية والمنطقية فهو يقول مرة أن الله رفعه إليه مما يعني أنه حي لم يمت، ثم يقول إنه لم يصلب ولكنه ألقى الشبه على رجل آخر –ولا تزر وازرة وزر أخرى- وتلاحظ المجهود الذي يبذله محمد في معالجة هذه القصة في ضوء نقص معلوماته عنها مقارنة بغزارة معلوماته عن قصص اليهود وأنبيائهم وذلك لكثرة اليهود في جزيرة العرب واختلاطهم بهم.

(4) وانظر ما يزعمون أنه فعله بضحايا التسونامي الذين يبلغ عدد الغرقى من الأطفال فيهم حوالي الخمسين ألفاً بزعم أن عشرات أو مئات السواح الأجانب يرتكبون الفواحش، ولعل هذا الإله يلتفت إلى مهرجانات الشواذ التي تقام في معظم عواصم العالم ويحضرها أعداد تفوق المليون بدل أن يفقد أعصابه ويهلك الأطفال.