لا زالت مسرحية الكوميديا السوداء تتوالى فصولاً على مسرح بلادنا الكئيب، ولازال أبطال هذه المسرحية السمجة يصولون ويجولون.. وكلما تعلقنا بفسحة من الأمل تحطمت آمالنا على شاطيء واقع مرير عانت منه بلادنا لعقود ولاتزال... وكلما لاحت في الأفق بادرة إسدال الستار لم تلبث أن تتلاشى ببداية فصل جديد طويل...
مرحباً بك يا ضيف الغزال في قائمة الشرف.. قائمة شهداء ليبيا الأبرار.. لست أول من دخلها ولن تكون الأخير... وهنيئاً لك رفقة الأبطال.. كأني بعمر المختار يعانقك.. وبالفضيل يفسح لك مكاناً بجانبه.. هنيئاً لك رفقة العبار والسويحلي والباروني.. والبشتي وعلى يحيى معمر وعامر الدغيس واحواس ورشيد كعبار واحفاف وقروم وغيث المبروك.. هنيئاً لك مكانك بين أبطال ليبيا .. وما مات من حاز الثرى آثاره .. واستولت الدنيا على آدابه.. أظلينا يا روح أمير الشعراء وقولي رثاء في فقيدنا كما قلته في شيخ الشهداء:
يا أيها الشعب الكريم أسامع
فأصوغ في عمر الشهيد رثاءَ
هنيئاً لك مكانك في تاريخ ليبيا وفي قلوب أبنائها.. وعسى أن يكون دمك منارة هدى وشعلة نور إلى من ابتغي إلى رضي هذا الوطن سبيلاً..
ويا أسرة الشهيد: صونوا ذكراه ولا تلوثوها باستجداء سيف الإسلام ولا جمعيته المشئومة.. فلن ترد الفقيد إلى الحياة ولن تكشف عن القاتل.. فالقاتل معروف لهم كما هو معروف لكم.. ولا ترتجوا الربح مما فيه خسران.
وأنت يا ليبيا.. هل كتب عليك ألا تحيي إلا بالموت؟ إلام يطول عذابك؟ وعلام؟ ألا تكفي أربعة عقود إلا قليلاً؟ ماذا جنى أبناؤك حتى يشردوا في أقطار الأرض؟ ولماذا هذا العبث؟ أما آن لقاطع الطريق أن يرحل؟ أما آن لأبنائه والأربعين حرامي أن يغربوا عن وجوهنا؟ أما آن لهم أن يتركونا وشأننا؟ أما آن لمن يرجو خيراً من سيف الاسلام أن يعلم أن ليس للثعلب دين؟
أبى قاطع الطريق إلا أن يضيف مكرمة إلى سجل تاريخنا المليء بالمكرمات.. فبعد قتل حجر بن عدي، وذبح الجعد بن درهم، وسجن أحمد بن حنبل، وصلب الحلاج، وتناثر أشلاء سمير قصير... أبى قاطع الطريق الا أن يضع لوحته الخاصة في متحف البشاعة البشرية فبادر بقطع أصابع ماكانت تحمل إلا قلماً لتكتب به كلمات.. هنيئاً لك ياقاطع الطريق مكانك في قائمة المجرمين وما أطولها... وحق لليبيا وأهلها أن يستمطروا عليك اللعنات ماهبت النسائم وما قريء في ليبيا كتاب للتاريخ..
كنت أرجو أن أطوي هذه الصفحة على شدة ألمها، ولم أكد أفعل ذلك حتى طالعتنا صحيفة الحقيقة مشكورة بتقرير محكمة بنغازي عن قضية أطفال الأيدز.. وفي ثقافة تميزها السرية والكتمان جاء هذا التقرير ليتيح لنا لأول مرة معلومات تخرج عن نطاق الحدس والتخمين والشائعات.. تقرير هو بكل ما تعنيه الكلمة صفحة أخرى من صفحات الكوميديا السوداء تطالعنا ببرود قاتل بما حاق ببلادنا من خراب، ليس في قطاع الصحة فحسب، بل في القضاء والإعلام والتعليم وكل شيء..
هل يصدق أحد أن فريق الدفاع يرفق شريط مقابلة أجراها سيف الاسلام القذافي مع محطة أجنبية كدليل من أدلة الدفاع؟ ما قيمة مقابلة يجريها صرصار مع محطة أجنبية لكي تصلح دليلاً في محكمة؟ هل هان القضاء إلى هذا الحد؟ هل هي الوسيلة الوحيدة التى رأى الدفاع أنه قد يقدر بها أن يلوي ذراع المحكمة؟ هل هذا نوع من التهديد أم التملق؟
هل يصدق أحد ألا يتحدث تقرير المحكمة عن دوافع جريمة بهذا الحجم؟ ما هي الجهة التي كلفت هؤلاء بما فعلوا لو صح أنهم فعلوه؟ وإذا كانوا قد أفلحوا في إيجاد ملابس داخلية لإحدى الممرضات فلم لم يفلحوا في تسجيل مكالمة هاتفية أو رصد رسالة بريد إلكتروني أو أي مستند يثبت انتماء هؤلاء إلى جهة خارجية؟ ولماذا لا نقاضي هذه الجهة الخارجية في المحافل الدولية؟ أم أن هذا النظام لا يعرف من المحافل الدولية إلا البنوك التي يودع فيها التعويضات؟
أم أن الأمر كله تغطية على الفاعل الحقيقي وكبش فدائها طبيب فلسطيني يعلمون تماماً أن ليس وراءه من يطالب بحقه وممرضات بلغاريات لا تستطيع بلادهن أن تمارس ضغوطاً؟
هل يصدق أحد أن جريمة بهذا الحجم لا يوجه فيها توبيخ إلى أي مسئول في الدولة فضلاً عن أن تحثهم على الاستقالة من مناصبهم؟ ألا يملك قطاع الطرق هؤلاء ذرة من الحياء؟
قصة إسراء* أعزائي القراء هي قصة من مئات القصص.. طفلة من مئات الأطفال.. شاء حظها العاثر أن تدخل هذا المستشفى المشئوم في يوم مشئوم للتعافي من مرض لعله بسيط فاذا بها تصاب بداء عضال ليس منه إبلال إلا أن يشاء العلم .. وها نحن بعد أن أصبحت مدارسنا مراتع لتفريخ الجهل، وجهات الأمن مافيات محلية لزرع الرعب، وأمانة الاقتصاد مؤسسة لتوزيع الفقر، هاهي مستشفياتنا تصبح مركزاً لنشر الأمراض.
ماذا يدور بعقلك يا طفلتي الحبيبة إسراء؟ ترى هل يستوعب عقلك هذا العذاب إذا استطاع جسدك أن يتحمله مجبراً غير مختار؟ هل يستطيع أبوك أو أمك أو أي منا أن يجيب على سؤال واحد يدور في خلدك: لماذا؟ وهل تراك تغفري لنا جميعاً أن أسلمناك لهذا المصير المؤلم؟
لماذا تخاذلنا حتى حاق بإسراء ما حاق؟ ماذا دهانا؟ هل حقاً نخر الرعب في قلوبنا حتى أصبح منظر كهذا لا يحرك فينا ساكناً الا دعاءً أدمنّاه؟ هاهو موسم المخدرات الدينية قد آن اوانه... ويا مشايخ أقبلوا فهذا موسمكم.. بيعوا مخدراتكم .. قولوا لهم إن هذا ابتلاء من الله.. قولوا لهم عليكم بالصبر والدعاء فإن الله مع الصابرين.. أما إذا ماتت فقولوا لأهلها إن الله يحبها وقد اصطفاها لجنة الخلد.. وكأن الله لا يحب إلا الأشلاء الممزقة.. أما أنا طفلتي العزيزة فلن أكذب عليك بعد اليوم..
أعلم أن بقائك معنا لن يطول.. أعلم ان هذا المرض ليس منه شفاء.. ويوم ان يكون شفاء فسيكون على أيدي العلماء في معاملهم لا على يدي الله.. أعلم أن دعاءك ودعاء أبيك وأمك لن يغني شيئاً .. قولي لهم: فلتقوموا طوال الليل حتى تتفطر أقدامكم.. وأكثروا من الدعاء في السجود.. لا تغفلوا عن الدعاء في الثلث الأخير من الليل.. صوموا ما استطعتم وادعوا الله عند الإفطار.. لا تناموا لحظة واحدة في ليلة القدر.. بل لا تناموا ليلة واحدة في العشر الأواخر من رمضان.. وإذا كان في الجمعة ساعة مستجابة فلا تكلوا عن الدعاء طوال يوم الجمعة.. أدعوه في يوم عرفة.. تضرعوا إليه ما شئتم فلو استجاب لغيركم لاستجاب لكم...
هو يا عزيزتي إسراء عنك في شغل.. لعله يقلب الحجارة في النار الأبدية التي تنتظر "المجرمين".. هو عنك في شغل يا طفلتي.. إنه يعد اللحظات ليعذب الكثيرين ممن أسبلوا إزارهم وحلقوا لحاهم.. لعله يعد اللحظات ليصفي حساباته الأبدية مع البشر الضعفاء.. لم يكن في استطاعته أن يمنع عنك الداء ولا أن يرزقك الشفاء على الرغم من أصناف الدعاء.. فهو مشغول جداً .. لدرجة أنه لا يسمع..
لن يرحمك يا عزيزتي كما لم يرحم ريم وسهيلة وفاطمة وجميلة وهنادي وسماح وإسلام وعاشور ومنى وهبة وأمل وسالم ومعتز.. لن يرحمك كما لم يرحم أطفال التسونامي.. خمسون ألف طفل لاقوا حتفهم غرقاً لجرائم مزعومة ما كان لهم فيها ناقة ولا جمل..
لن أكذب عليك يا طفلتي.. خلاصك وخلاصنا في يد العلم والعقل... ليس لنا خلاص إلا بالحرية.. فما كان لبلدنا أن تصاب بما أصيبت به لولا ثقافة القمع والقتل والقطع والجلد والرجم.. منذ أن ذُبح الجعد بن درهم في أصل المنبر إلى أن قطعت أصابع ضيف الغزال .. ماكان لنا أن نظل دائماً في القاع... أرجو صادقاً يا طفلتي الغالية أن يطول بك العمر حتى يكتشف العلماء دواء لهذا الداء.. يومها سيعطوك إياه بلا منة .. ولا وعيد ولا تهديد.. وسيصفح عنك العلماء وهم يرونك وأهلك تثنون على من ليس للثناء بأهل وتنسبون الفضل إلى من ليس بذي فضل... سيبتسم العلماء وهم يرونك تحمدين الله بدلا عنهم ولكنهم لن ينتزعوا منك الدواء .. بل سيعودون إلى معاملهم باحثين عن دواء آخر لطفل آخر في بلد آخر أصابه مرض عضال بينما إلهه عنه في غفلة... أرجو أن يطول بك العمر حتى تدركي هذا اليوم، ويومئذ يفرح المصابون بنصر العلم..
أرجو الا أكون قد بالغت في التشاؤم، وآمل أن يكون مقتل ضيف الغزال وإصابة إسراء هي آخر صفحات هذا الكتاب الأسود المشئوم، واستودعكم عقولكم حتى لقاء قريب.. ان كان في العمر بقية..
* إسراء هو اسم طفلة من الأطفال المصابين بالايدز قرأته في التقرير الذي نشرته مجلة الحقيقة مشكورة.