تلاشي الأوهام وتهاوي الأصنام [1]
حكيم الليبي
أشكر الأستاذ الفاضل طارق القزيري على رده المنهجي الهادىء على مقالاتي وعلى محاولته الإجابة على أسئلتي، محاولة أفلح فيها شيئاً يسيراً ضمن المنهج الذي وضعه والذي ربما توافرت فيه حسن النية ولكن في رأيي المتواضع لم يحالفه التوفيق إذ ابتدأ بافتراض خاطىء تماماً فجاءت نتائجه كذلك.
الافتراض الخاطيء هو أن الفكرة الأساس هي محاربة الخرافة وأن الأسئلة العشرين هي الأدلة عليها، وبينت أنا في مقالي السابق أن هدف جزء من هذه المقالات هو كشف عوار ثقافة ادعى صاحب مقال "فاستفتهم.." أنها من أفضل الثقافات وأطهرها، أما الجزء الآخر منها فهو لبيان فساد التصور الديني وليس لمحاربة الخرافة. وأنا، وإن كنت محارباً للخرافة فإن هذا لم يكن هدفي من طرح هذه الأسئلة بالتحديد وإلا لكان لي في قصة الإسراء والمعراج وشق القمر، وحيزوم، وشق صدر النبي، والسماوات والأراضين السبع وتقديس البيوت الحجرية وغيرها ما يسعفني..
وأدرك أن الأستاذ طارق قد كتب مقاله الثالث قبل أن يقرأ مقالي السابق فلا ألومه أن التزم بمنهجه الذي افترضه وإن كنت لا أعرف علام استند عندما وضع هذا الافتراض.
وسأوضح هنا مدى ملائمة هذه الأسئلة للهدف الذي طرحت من أجله لكل من أراد مستقبلاً أن يحاول الإجابة عليها أو حتى لغرض الفهم المجرد، وعلى عكس الأستاذ طارق فإني سأتعرض للأسئلة بالترتيب وأشرح الغرض منها، وأنتقد ما أتى به من رد عليها متى كان ذلك مناسباً.
السؤال الأول والثاني: "شك الرسول في عائشة وقصة مارية القبطية"
أصاب الكاتب في قوله أن مجرد شك الرسول في عائشة لا يقدح في صدق النبوة، وليت الذين سبقوه في الرد أدركوا هذه الحقيقة البسيطة فأراحوا أنفسهم وأراحونا.. وأنا لم أورده بهذا القصد وإنما أوردته مقروناً دائما بالسؤال الثاني عن الشك في مارية القبطية، وأهدف من هذين السؤالين إلي التالي:
- تقرير تضارب المنهج السماوي في الدفاع عن عرض الرسول فالسماء تتدخل أحياناً وتضرب صفحاً أحياناً أخرى
بدون سبب مفهوم.
- بيان فساد هذا المجتمع الذي زعموا أنه مجتمع فاضل إذ لم يتورع عن الطعن في عرض زوجات نبيهم مرتين في فترة لا تزيد عن عشر سنوات، ومن هؤلاء رجل شهد بدراً وآخر يؤيده روح القدس.
- التركيز على المصادفة العجيبة التي جعلت الوحي ينزل على الرسول فقط بعد أن تحدث مع عائشة للمرة الأولى بعد حادثة الإفك.. وإذا استحضرنا أن الرسول نفسه لم يكن متأكداً من براءة عائشة تبين لنا لماذا لم ينزل الرسول هذه الآية من أول يوم ولماذا اعتصره الشك لمدة شهر كامل، فلو جاء الرسول بالآية من أول يوم وقدر أن واقعة الإفك صحيحة فمعنى ذلك أن هناك شخصان على الأقل هما عائشة وصفوان يعلمان أن هذه الآيات هي من عند محمد.. ولذلك استشار الرسول علياً وزيداً وسأل خادمتها وفي رواية ضربها علي بن أبي طالب لكي تعترف بما تعرف ثم مؤخراً سأل أبابكر وأم رومان ثم سأل عائشة، حتى إذا اطمأن قلبه أن شيئاً لم يحدث نزلت الآيات المباركة.. وأرجو أن لا يضطرنا أحد لمزيد من التوضيح!
- بيان مدى التزام الرسول بالشريعة التي أتى بها وتفنيد بعض الأساطير كقصة "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" إذ أن هذه قصة افتراضية ولا يوجد ما يدل من سيرة الرسول أنه كان سيفعله لو حدث، والأكثر منها تعبيراً هو رفض الرسول زواج على بن أبي طالب على ابنته فاطمة بحجة أن ذلك يؤذيها ومن آذاها فقد آذى الرسول وكأن باقي النساء لا يتأذين من الضرائر، وتفيدنا في توضيح ذلك أيضاً قصة افتداء ابنته زينب لزوجها الأسير في غزوة بدر إذ افتدته بقلادة لأمها خديجة فطلب الرسول منهم أن يردوا عليها قلادتها ويطلقوا لها أسيرها، وتفيدنا أيضاً قصة فكه لقيود عمه العباس عندما أسر في بدر على الرغم من أنه خرج مقاتلاً للرسول وكان الأولى به أن يقتله كما قال القرآن "ما كان لرسول أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض"... فسيرة الرسول تدل دائماً على محاباة لأهل بيته وهي مليئة بما يسمى بالخصائص الشرعية، فترى أيها القارئ أن الشريعة جاءت لك أنت لتلتزم بها ولكن الرسول لم يكن دائماً مستعداً ليلزم نفسه بها.
- بيان تهافت حجج الحواة (الفقهاء) في تفسير هذه الاختراقات الخطيرة وخصوصاً في قصة مارية وجنوحهم إلى سياسة البيضة والحجر فقد فسروا أمراً واضحاً صريحاً بالقتل (إذهب فاضرب عنقه) بأنه لا يعني ذلك..
وقد سلم لي الأستاذ طارق بأن الرسول شك في عائشة لأنه بشر، كما سلم لي بأن حديث مارية أشكل عليه كما أشكل على الفقهاء فأحسب أن الجولة في هذين السؤالين محسومة وأنتقل إلى ما بعدها..
السؤال الثالث: "كيف يقتل الرحمة المهداة أطفالاً في العاشرة لمجرد أنهم أنبتوا الشعر في عاناتهم؟"
دعني أوضح هنا أن عمر العاشرة هو افتراضي إذ أن الأطفال (حسب نظرية النضج المبكر التي تبناها معظم من رد علينا) يبلغون ما بين التاسعة والثالثة عشر فقد اخترت هذا العمر للتعبير وهذا الاختيار مبرر جداً فإذا كانت عائشة قد بلغت في التاسعة فلا عجب أن يبلغ هؤلاء في العاشرة، وأيا ما كان فإن الحاجة إلى الكشف عن عورة الطفل تدل على عدم التأكد من بلوغه كظهور شاربه أو شعر لحيته.
ولم يعارضنا الكاتب في صحة هذه القصة وإنما قال إنه لا تصح محاكمتها بقوانين لاهاي، وهذا صحيح إذ أننا لا نحاكم حرباً في القرن السابع بموازين القرن العشرين إلا إذا كان قائد هذه الحرب نبياً، وإلا إذا كان يزعم أنه أرسل رحمة للعالمين، وإلا إذا كان يزعم أن رسالته عابرة للزمان والمكان، والنقطة الأهم هنا هي أن هذه لم تكن حرباً بالمعنى المعروف فهؤلاء أناس قد حوصروا في حصونهم ثم استسلموا ونزلوا على حكمه فهم في ذلك كالأسرى، ودعني من اتفاقية جنيف وأعطيك مثالاً على ما تعارف عليه العرب في القرن السابع الميلادي:
يقول حاتم الطائي في رائيته المشهورة "أماويّ قد طال التجنب والهجر" (ماوية هي زوجته):
أماويّ إني ربَّ واحدِ أمّهِ
أخذتُ فلا قتل عليه ولا أسرُ
فهو يترفع عن قتل وأسر رجل محارب فما بالك بأطفال غير محاربين، وخذ هذا المثال من شعر قتيلة بنت الحارث الذي تقوله في أخيها النضر بن الحارث الذي قتله الرسول بعد أسره في بدر (وعفا عن زوج ابنته وعن عمه العباس الذين خرجا محاربين للدعوة) لأنه كان يحدث قريشاً أن لديه من القصص أفضل مما لدى الرسول، تقول قتيلة:
ما كان ضرك لو مننتَ؟ وربما
منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
صَبْراً يــُقادُ إلى المنية مُتعباً
رَسفَ المقيّد وهو عـانٍ موثق
فثقافة العفو عن الأسير والمن عليه كانت معروفة في ذلك الزمن ولم تحتج أن تنتظر منتصف القرن العشرين حتى تظهر اتفاقية جنيف، وكان الأولى بالأنبياء أن يعززوا هذه المفاهيم بدل أن ينساقوا لشهوات الغضب والانتقام. وقد أردت من إيراد هذا السؤال بيان عدة نقاط:
- الأولى: تضارب المنطق الإلهي الزاعم بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى بينما ينزل أوامره بقتل الأطفال بجريرة الآباء، والعامة بجريرة الخاصة.
- الثانية: بطلان الزعم الإلهي بكون الإله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، إلا إذا كان الإله نفسه يبغض أجناساً بعينها بغضاً شديداً يمنعه من تمييز الأطفال، وكذلك الطعن في أسطورة الرحمة المهداة إذ لا يستقيم في ذهن عاقل أن يأمر رحيم ـ بشراً كان أم إلاهاً ـ بقتل أطفال مهما حاولنا تبرير ذلك.
- الثالثة: بطلان دعوى مجيئ الرسول لهداية الناس كافة فهو لم يبد اهتماماً يذكر بهداية هؤلاء الأطفال أو حتى انتظار أن يكبروا، كما فعل مع قومه قريش عندما قال "لعل الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله واليوم الآخر".
- الرابعة: تضارب الأحكام السماوية إذ أن السماء لم تعترض عندما شفع عبدالله بن أبي بن سلول في حلفائه من بني قينقاع فلم يقتلهم الرسول، بينما أصرت السماء على إبادة بني قريظة، ولعل القارئ يذكر من مقال سابق أن عبد الله بن أبي بن سلول لم يُجلد حد القذف في قصة عائشة على الرغم من أنه تولى كبره منهم، كما نعلم أيضاً أن الرسول صلى عليه عندما مات وهو المعلوم نفاقه من أول يوم للهجرة.. فتأمل أن خلط الدين بالسياسة ليس جديداً أبداً..
- الخامسة: بطلان الزعم بتفوق هذه الثقافة أخلاقياً على ما سبقها من جاهلية، فها نحن نرى أن الرسول يفعل ما كان يترفع عن فعله حاتم الطائي الذي لم يدع النبوة ولم يسمع بديانة.
ولا أحسبني بحاجة لمزيد من الشرح في هذه النقطة وأزعم أن رد الأستاذ طارق عليها لم يجاوز اعتراضه على تحديد العمر بالعاشرة وعلى عدم جواز الحكم بمعايير عصرنا على حروب القرن السابع، وقد بينت ردي بالتفصيل والحكم للقارئ..
السؤال الرابع: "ماذا كانت وظيفة الرسول وما هو مصدر رزقه؟"
قال الكاتب إن الرسول كان ينفق من خمس الغنائم وإن هذا متواتر، وأوافقه في هذا وأتحفظ عليه في نقطة مهمة جداً وهي أن الغنائم إنما بدأت بعد الهجرة إلى المدينة وقد جاوز عمر الرسول عندها الثالثة والخمسين فهذا لا يفسر كيف كان ينفق قبل الهجرة، ولمزيد من التوضيح أقول:
يعلم القارىء أن الرسول ولد فقيراً وأنه تربى في كفالة جده عبدالمطلب ثم عمه أبي طالب الذي كان بدوره فقيراً كثير العيال، مما حذا بالرسول إلى رعي الغنم ثم إلى الاتجار في مال خديجة.. ثم تزوج خديجة وهو في الخامسة والعشرين ... وهذا من المعلوم الذي لا أحسب أني بحاجة إلى إثباته.. فإذا علمنا أن الرسول كان يعمل في الرعي والتجارة قبل زواجه من خديجة فإن هذا يثير سؤالاً ويقرر حقيقة:
السؤال: ماذا كان الرسول يعمل أثناء زواجه من خديجة وهي فترة تزيد عن الخمسة وعشرين عاماً؟ كيف تأتى له التفرغ في غار حراء شهراً من كل عام؟ لم نقرأ في أي كتاب أن الرسول قد مارس الرعي أوالتجارة أي نشاط آخر أثناء زواجه من خديجة فهل من الممكن أن نقول أنه عاش على أموالها وهي المرأة الثرية؟ وهل يفسر لنا هذا عدم زواج الرسول عليها أو التسري عليها على رغم كبر سنها وهو القائل (حبب إلى من نياكم الطيب والنساء)؟ وهل يفسر لنا هذا حقيقة زواج الرسول بأربعة عشر امرأة في ظرف عشر سنوات من وفاة خديجة وهو الذي صبر خمسة وعشرين عاماً على امرأة واحدة تفوقه سناً؟
الحقيقة: أقر لنا بها الكاتب وهي أن الرسول كان يعيش بعد الهجرة وينفق من الغنائم، وهذا يفيدنا في الصورة التي نريد رسمها فيما يخص الغزوات والهدف منها .. ودعني أسترسل قليلاً:
غزوة بدر:
وهي بلا منازع أهم غزوة في التاريخ الإسلامي ويحتفل بها المسلمون في السابع عشر من رمضان حتى يومنا هذا، وما لا يعرفه الكثيرون من عامة المسلمين أن أصل هذه الغزوة كان رغبة المسلمين في قطع الطريق على قافلة من قوافل قريش، وليس للدعوة شأن بها، وهذا مقرر في القرآن بقول الله (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ لشَّوْكَةِ تَكُونُ لكُم) .. وهذا دليل كاف على أن المسلمين كانوا يرغبون في السطو على القافلة وليس في القتال أو الدعوة أو ما شابه. ولمن شاء أن يرجع لتفسير ابن كثير ليرى الصراع الكبير بين المسلمين في تقسيم الغنائم مما حذا بالسماء أن تنزل الآيات المعروفة من سورة الأنفال (واعلموا أن ما غنمتم من شيء ...) لتفض هذا الاشتباك.
غزوة أحد:
لا أحسبنا في حاجة لتذكير الجميع بما يعرفون من أن سبب هزيمة المسلمين في هذه المعركة هو انشغال البعض منهم في جمع الغنائم وقد وصف القرآن بعضهم بأنهم يريدون الدنيا (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ)
غزوة الأحزاب:
وهذه الغزوة لم يكن فيها غنائم ولكن الرسول عوضها لهم إذ أمرهم بالذهاب مباشرة إلى بني قريظة فحاصروهم وكان ما كان من قتل وسبي واغتنام للأموال.
فتح مكة: لاحظ أن هذه الغزوة لم يتبعها قتل ولا غنائم لانها مسقط رأس الرسول وأتباعه وليس الرحمة كما يزعمون إذ أن الأولى بالرحيم أن يرحم الأطفال بدلاً من رحمة الكبار البالغين الذين طالما حاربوا الدعوة وأهلها، كما كان من الممكن له أن يعفو عن قتلهم ويأخذ أموالهم كما فعل مع بني قينقاع بعد شفاعة رأس النفاق عبدالله بن أبي، وأدعو القارئ مرة أخرى ليتأمل خلط الدين بالسياسة وصدق القائل:
بلادي وإن جارت على عزيزة
وقومي وإن ضنوا علي كرام
غزوة حنين:
وقد بلغت الغنائم في هذه الغزوة أرقاماً فلكية وقد وزعها الرسول بطريقة أثارت حنق الأنصار إذ رأوا الرسول يوزع غنائمهم في قومه وسيوفهم لم تجف من دمائهم بعد والقصة مشهورة ولا داعي لتكرارها، ويعللها الحواة بما يعرف بشراء ذمم المؤلفة قلوبهم، وإذا كانت الدعوات السماوية تحتاج إلى أن تشتري ذمم الناس بالمال فماذا يفعل قطاع الطرق إذن؟
هذا بخلاف الأموال التي أخذت من يهود بني النضير وبني قينقاع والغزوات والسرايا الأخرى والتي يقول العلماء أن عددها سبع وعشرون غزوة وخمس وثلاثون سرية أي بمعدل غزوة أو سرية كل شهرين! وإذا علمنا أن الرسول ينال خمس هذه الغنائم لينفق منها على نفسه وعلى الفقراء والمساكين والأرامل بما يساعده على بناء دولته واستقرارها علمنا دور السياسة في الغزوات ويتراجع قليلاً دور الدعوة والهداية..
أقول هذا لأوضح دور الغنائم في تحفيز المحاربين وتشجيع المترددين ولم نسمع عن محاولات تبشرية قبل أو أثناء الغزوات الا ما كان من قدوم بعض القبائل لتسلم طوعاً فأرسل معهم الرسول من يعلمهم الدين. وإذا صح هذا في عصر النبوة والصحابة فلك أن تقيس عليها ما حدث بعدها من غزوات وتتأمل مزاعم الهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
أما قول الأستاذ طارق عن الشفافية فأحيله إلى قصص الخصائص الشرعية أعلاه والاستثناءات التي تمتلىء بها كتب الفقه حول الأشياء التي هي من خصائص الرسول والتي لا تجوز لأحد من بعده لنعلم أن قصة الشفافية هي ليست مما يعتمد عليه، فلن نكذب وقائع صحيحة لمجرد الظن..
وأزيده أيضاً أن الرسول ماكان له أن يستأثر بكل الغنائم والا فلن يجد من يحارب معه، وأحيله إلى قصة توزيع الغنائم في غزوة حنين ليرى أنه بالكاد كان يستخلص نصيبه من هؤلاء الهداة الفاتحين، وليس أدل على ذلك من قصة المؤلفة قلوبهم الذين كان يشتري إسلامهم بالمال..
وأنا لم أقل في أي وقت أن الرسول كان يجمع المال لنفسه أو حتى إنه يرغب في المال، ولكن هدفه كان هو الدولة، ولا ريب أن المال هو عصب الدولة والسلطان، وهذا ما نريد تقريره..
وفي نقطة أخيرة قال الأستاذ طارق أن الأدلة تواترت على كون الرسول كان يوصي بعدم قتل النساء والأطفال وعدم تحريق الشجر، وأقول له: لقد أوردت أمثلة قتل فيها أطفالاً بلا رحمة كقصة بني قريظة، وأمر فيها بقتل النساء اللاتي هجونه بالشعر كعصماء بنت مروان التي لم يرحم طفلها الرضيع، وأم قرفة التي قتلت قتلاً شنيعاً على رغم كبر سنها، أما عن تحريق الشجر فأحيله إلى آية (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) ليعلم أن الرسول أمر فعلاً بقطع الشجر وتحريقه.. وفي مشهد حزين لطمت نساء بني اسرائيل خدودهن ودعون بالويل والثبور وهن يشاهدن الهداة الفاتحين وهم يحرقون النخيل ويقطعونه، وليس أبلغ من قول اليهود له (يا محمد: قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه فما بال تحريق النخيل وتقطيعها)، وقد أصاب هذا القول بعض الأنصار بالارتباك إذ بدا لهم كلاماً منطقياً وكالعادة: لم يتأخر جبريل بالآيات البينات أعلاه..
السؤال الخامس: "لماذا عصت عائشةُ أمر ربها وتركت بيتها وخرجت تقاتل في معركة الجمل؟"
ورد هذا السؤال في سياق الرد على مزاعم البعض بغزارة علم عائشة والتي هي ولا شك تطرف سني في مقابل التطرف الشيعي في الطعن فيها، وقلت لمن يزعمون لها العلم الغزير إنها خالفت نصاً صريحاً نزل فيها وفي ضرائرها على وجه التعيين فكان الأولى بها أن تفقه نفسها في هذا الأمر الجلل وتحقن دماء عشرات آلاف المسلمين ولا تشق عصا الجماعة ولا تخرج على إمام مبايع بدلاً من أن تفقه الأمة في أحاديث الجماع من مثل أن الرسول كان يشد عليها الإزار ثم يأتيها في حيضها [البخاري]، أو رضاع الكبير الذي أوردته جميع كتب السنة تقريباً.
ومن الواضح أني لا أستدل بهذا الحديث على نقض الدين ولا محاربة الخرافة، وقد أدرك الأستاذ طارق هذا فلن أزيد في التفاصيل.
السؤال السادس: "لماذا تؤمر الأمة المسلمة بنزع الحجاب بل وتُضربُ إذا لبسته؟"
لا أعتقد أن الأستاذ طارق وكثير من القراء يدركون خطورة مدلولات هذا السؤال، إذ أن رد الكاتب عليه كان من بابين: أنه من فعل عمر وهو بشر فلا ينسب خطؤه إلى الشريعة إذا سلمنا بخطئه، وأنه لا مانع أن تضع الشريعة أحكاماً للحرائر وأحكاماً للإماء إذ أن هذا التقسيم كان موجوداً فعلاً وهو ليس من اختراع الاسلام.
وقال الكاتب إننا لسنا في حاجة لأن ندخل في موضوع الرق وهذا صحيح فأنا لم أطرحه حتى الآن وسأتجاوزه ولكني أريد أن أبين للقارئ مدلولات هذا السؤال الذي يمر عليه المشايخ التقليديون عادة مرور الكرام.
لنبدأ بفرضية أن العلة في الحجاب هي تقرير العفة والحياء وصيانة عرض المرأة المسلمة كما هو شائع اليوم، فنحن هنا أمام أمة [رقيق، عبدة، غير حرة] مسلمة أردات أن تطيع أمر ربها بأن ترتدي الحجاب وتصون عرضها فماذا تتوقع من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟ يحمل درته ويضربها ويأمرها بنزع الحجاب!!
لم ترو لنا الأخبار أن أحدا من الصحابة اعترض على عمر في فعله هذا أو صحح له فهمه للآيات مما يجعل القول بأن هذا هو فهم الصحابة للآيات قولاً معقولاً، كما لا نتصور أن عمر والصحابة كانوا مجمعين على معصية ربهم فلا يبقى لنا إلا الفهم القائل بأن هذا التشريع (الحجاب) هو تشريع طبقي يميز الحرائر عن الإماء في أمر ليس من أمور الأحكام كما قال الأستاذ طارق بل في أمر إنساني بحت وهو العفة والحياء وصيانة الأعراض!!
وهذا يطرح لنا سؤالاً مهماً: لماذا لا يبالي الإسلام بأعراض الاماء حتى ولو كن مسلمات؟ ولو كان التشريع لا يلزم الاماء بالحجاب بل يتركه أمراً اختيارياً لكنا فهمنا ذلك أما أن يضربن على الحجاب ضرباً ويؤمرن بنزعه قسراً فهذا مما يحتاج إلى كثير من حيل الحواة (الفقهاء) لتفسيره.
وقال أيضاً ان الأحكام الشرعية قد تتعدد عللها وقد يكون هذا صحيحاً في بعض الأحكام الأخرى ولكني لا أراه صحيحاً في هذا الحكم وعليه أن يأتي بالدليل على ذلك، أما أنا فحسبي أن أثبت أن الحياء والعفة والفضيلة ليست مقصودة بهذا التشريع الطبقي ومن يرى حكمة أخرى فليأت بها.
وقد سقت هذا السؤال في معرض ردي على المقال سيء الذكر رامياً من ورائه إلى هدم دعاواهم في التفوق الأخلاقي لثقافتهم وها نحن نرى أن دعاوى الفضيلة هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً فالشريعة تستثني أصنافاً من البشر وتميز بينهم في الكرامة الإنسانية وتفصل تشريعات طبقية، وقد تكون لنا وقفة قريبة مع التشريعات التي وضعها الإسلام للعبيد والجواري والتي نعد القارئ بأنها ستذهله.
السؤال السابع: "لماذا لم يعرض الرسول الإسلام على ما يقارب من ثمانمائة من يهود بني قريظة قبل أن يذبحهم؟ ولماذا لم يعرض الإسلام على أطفال اليهود قبل أو بعد الكشف عن عاناتهم ثم ذبحهم؟ وهل عرض خالد بن الوليد الإسلام على السبعين ألفاً الذين أجرى نهرهم بدمائهم قبل أن يذبحهم؟ وهل عرض خالد بن الوليد التوبة على مالك بن نويرة قبل أن يقتله وينكح زوجته؟"
وقد اختصر الأستاذ طارق سؤالي هذا الي جزئه الأخير والأقل أهمية وهو قصة خالد ومالك وهي في واقع الأمرلا تهمني في شيء الا بمقدار ما أبين أن خالداً تزوج امرأة مالك التي تحدث الناس بجمالها وبمقدار بيان أنه على الرغم من تعمد خالد لهذا الأمر إذ نهاه أحد الصحابة (لعله أبو الدرداء فلا أذكر) وعلى الرغم من إلحاح عمر على أبي بكر في عقابه إلا انه نجا كالشعرة من العجين من هذه الجريمة المزدوجة (لاحظ أنه نجا سابقاً من جريمة قتل الأسرى في فتح مكة والتي لم تزد عقوبته فيها عن رفع اليدين حتى بدا بياض الإبطين والبراءة من صنيعه).
وأما قوله إن زوجة مالك كانت عند سيد من سادات العرب ثم (عوضها) خالد بزواجه منها وهو أيضاً سيد من سادات العرب فاني أربأ به أن ينظر للمرأة بهذه الصورة إذ يقتل زوجها وينكحها قاتل زوجها ويعتبر ذلك نوعاً من التعويض.
واعترض الأستاذ طارق على رقم السبعين ألفاً الذين أجرى خالد نهرهم بدمائهم قائلاً إنه لا يعقل أن يكون مثل هذا الرقم قد تيسر لمالك بن نويرة أن يجمعه ويبدو أن الأمر قد اختلط عليه إذ أن قصة السبعين ألفاً منفصلة تماماً عن قصة مالك بن نويرة التي كانت في أثناء حروب الردة.
ولم يتعرض الأستاذ طارق قط إلى موقف الرسول من قتلى بني قريظة رجالاً وأطفالاً ولم يجب عن السبب في عدم عرض الإسلام على ما يقارب السبعين ألف مذبوح وإنما احتج على العدد مخطئاً كما بيننا ولذا أعده لم يجب على هذا السؤال وسأتجاوزه بعد أن ألقيت الضوء على النقاط التالية:
- بطلان الزعم بأن الجيوش الإسلامية بما فيها غزوات الرسول كانت تخرج لهداية الناس ودعوتهم إلى الإسلام.
- إثبات وحشية هذه الجيوش والتي لم تختلف كثيراً عما كان يرتكبه قطاع الطرق من فظاعات على الرغم من المزاعم العريضة بتفوقها الأخلاقي.
- بيان خطورة العقل الديني وبشاعته اذ رأينا في قصة خالد أن الصحابة كانوا يفكرون في حيلة شرعية يبر بها خالد قسمه الذي أقسمه بإجراء النهر بدماء الناس الذين زعم خروجه لهدايتهم، ولم يفكروا في هذه الأرواح البريئة التي ستذهب إلى النار، واستحضر هنا قصة ذاك العراقي الذي ذهب يستفتي في نجاسة دم البعوض وقد لطخ يديه بدماء الحسين.
السؤال الثامن: "لماذا تزوج الرسول زينب بنت جحش بدون استبراء رحمها كما ينص القرآن ؟"
كنت قد بينت في مقالي السابق أن هذا السؤال قد طرح بطريقة خطأ واعتبره لاغياً وأنسب الفضل في بيانه إلى الأستاذ طارق ولن نكابر مادام الخطأ قد تبين لنا.. ولعل من محاسن الصدف ان سؤالي الثاني عشر يسعفني في توضيح ما أردت توضيحه من هذا السؤال فسأتجاوزه.
السؤال التاسع: "لماذا تزوج الرسول صفية بنت حي بن أخطب بدون استبراء رحمها كما ينص القرآن ؟"
وهذا سؤال آخر ظن الأستاذ طارق أننا أوردناه للطعن في النبوة أو لمحاربة الخرافة، وهذا غير صحيح إذ أننا نعرف أن تصرفاً كهذا لوحده لا يطعن بالضرورة في النبوة وإن كان يثير التساؤلات حول مصداقية مدعيها، ولا يصلح في محاربة الخرافة أيضاً، ولكني أوردته في سياق الطعن على طهر تلك الثقافة المزعومة. وإنما وضعته مع ما يليه من الأسئلة حتى الحادي عشر لأرسم الجانب الآخر من الصورة التي رسمنا جانبها الأول وهو دور الغنائم في تحفيز "النشاطات الدعوية"، ودعني عزيزي القارئ أسترسل قليلاً في شرح قصة صفية بنت حيي بن أخطب إذ أن فيها كثيراً من العبر المستفادة:
- صفية من يهود بني النضير الذين أجلاهم الرسول عن بلدهم فلحقوا بيهود خيبر حتى أتاهم الرسول مرة أخرى وقد قتل الرسول زوجها كنانة بن الربيع بعد أن أمر الزبير بن العوام بتعذيبه ليقر بمكان كنز لليهود، فكان يعذب هذا الرجل بأن يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على الهلاك، ثم أمر الرسول محمد بن مسلمة بأن يضرب عنقه (لاحظ أنه لا الرسول ولا الزبير ولا محمد بن مسلمة كلف نفسه عرض الإسلام على هذا الرجل ولاحظ أيضاً أمر الرسول بالتعذيب على خلاف ما يدعي الإسلاميون اليوم).
- قتل الرسول أباها حيي بن أخطب وقومها ثم أخذت سبياً فرآها النبي فوضع ثوبه عليها ليعلم الناس أنه اصطفاها لنفسه! وتحدثنا أم أنس بن مالك أنها لم تر في النساء أضوأ منها.. فتأمل!
- يحدثنا ابن هشام [سيرة ابن هشام – ص387] ان الرسول أعرس بصفية بخيبر أو ببعض الطريق، ولا نحسب أنه أقام بخيبر انتظاراً لانقضاء عدتها أو أن الطريق من خيبر إلى المدينة يستغرق ثلاثة شهور أو حتى شهراً حتى تنقضي عدة صفية من زوجها القتيل، ويحدثنا كذلك أن أبا أيوب زيد بن خالد بات يحرس الرسول عندما دخل بها وقال له (خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها) [نفس المصدر والصفحة].
ويتساءل القارئ: ما علاقة هذا السرد بموضوعنا؟ وأقول له: صبر جميل حتى نناقش السؤالين القادمين لكي نستكمل عناصر الصورة التي نريد رسمها، وحسبي الآن أني أثبت ان الرسول قد دخل بصفية بدون استبراء رحمها كما بينه ابن هشام في سيرته.
أما إجابة الأستاذ طارق فلم تتجاوز أن سألني ان كنت أعرف من يأخذ امرأة من السبي ثم يعتقها ويتزوجها، ولا أرى المشكلة في ذلك خاصة إذا علمنا أن هذه المرأة كانت جميلة وضيئة بشهادة أم أنس، وانها كانت شابة في السابعة عشر من عمرها، وانها ابنة سيد قومه، وخاصة أنه جعل عتقها صداقها فلم يتكلف فيها مهراً فأين المشكلة؟
السؤال العاشر: "لماذا أبيح للأعراب نكاح الأسيرات المتزوجات بعد حيضة واحدة فقط؟"
الحقيقة أن هذا السؤال فيه خطأ أيضاً لم ينتبه اليه كبار العلماء والمتحمسين الذين ردوا علينا، ولكن لحسن الحظ أن الخطأ هذه المرة في صالحي، إذ أن القصة أبشع من ذلك، فقد أبيح للأعراب نكاح السبايا المتزوجات بدون حيضة الاستبراء !!! ولا أملك نفسي هنا من أن أوجه هذا لكل من اتهمنا بعدم الرغبة في حفظ الأنساب!!
ولأني أفترض أن ليس كل القراء على علم بتفاصيل هذه القصة فسأشرحها باختصار: كان من المعلوم في الجاهلية أن العرب كان يتحرجون من مواقعة السبايا إذا كن ذوات أزواج عسى أن يفديهن أزواجهن أو أبناؤهن من الأسر قبل أن تنتهك أعراضهن، وخوفاً من أن يكن قد علقن شيئأ من أزواجهن، وهذه عادة حميدة قضى عليها الإسلام ومن المعلوم أيضاً ان الحكم الشرعي هو أن تستبرأ الأمة بحيضة واحدة ولكن الصحابة على الرغم من علمهم بالحكم الشرعي سألوا النبي ان كان يمكن لهم أن ينكحوا السبايا بدون استبراء رحم، ولم يكن الرسول في موقف يسمح له باغضاب المحاربين فكان أن حلت هذه المعضلة بآية سريعة (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم)
فهل يدرك القارئ الآن كيف .. ومتى .. ولم .. تنزل الآيات؟ هل أريد من هذا السؤال محاربة الخرافة كما ظن الأستاذ طارق؟ طبعاً لا! ولكننا نريد إلقاء الضوء على آليات إنزال النص والتي كانت تتفق تماماً مع رغبات وشهوات المحاربين ولا تتأخر كما تأخرت في قصة براءة عائشة.
وأحسب أن الأستاذ طارق لم يجب على هذا السؤال أيضاً إذ اكتفى بالقول إني أريد نسف الخرافة بمناقشة الأحكام وقد بينت خطأه في هذا.
السؤال الحادي عشر: "لماذا أباح الرسول الزنا (زواج المتعة) مرتين وحـرمه مرتين؟" أم أنه استخدمه عندما احتاجه لتجنيد الأعراب وحرّمه عندما استغنى عنهم كما حدث مع المؤلفة قلوبهم؟ أم أن الأخلاق نسبية؟
وهذا أيضاً من قبيل مناقشة الأحكام ليس لتبيين الخرافة ولكن لتبيين البراغماتية وتضارب المفهوم الأخلاقي في الإسلام. فنحن لا نعترض على لجوء صاحب الرسالة إلى تبديل بعض الأحكام إذا دعت الضرورة كصلاة الخوف مثلاً أو قصر الصلاة في السفر.. فهذا مما لا يمس بأي مفاهيم أخلاقية.. أما أن يلجاً لإباحة البغاء مادام يفيده في مرحلة وقتية فإن هذا مما يطعن في المعيار الاخلاقي لهذا الدين وصاحبه..
ولمن لا يعرف ما هو زواج المتعة فهو زواج لأجل (أي مؤقت) قد يكون ساعة أو يوماً أو عاماً أو أقل أو أكثر، مقابل أجر، ولا ترث به المرأة ولا تستحق نفقة مالم تشترط ذلك، وأنا لو بحثت في أي موسوعة عصرية عن تعريف للبغاء فلا أظنني بقادر على أن أجد أشمل من هذا التعريف، ولا أظنني بحاجة إلى ذلك وعلماء أهل السنة لا ينفكون ينعتون هذا الزواج بأنه زنا ويعيبونه على الشيعة..
فأقول: كيف يبيح الرسول البغاء ولو بصورة مؤقتة، وكيف يرضاه للمسلمات؟ هذا سؤال وجيه وإذا وضعناه جنباً إلى جنب مع سؤال ضرب عمر للإماء المسلمات لكي ينزعن الحجاب فانه ولا شك يشكل تحدياً للمشايخ وخصوصاً منهم من يكتب عن الفضيلة والعفة! ويشتكي من مجتمعات الفسق والفجور. ولأني أعرف أنهم سيصمتون صمت القبور فسأتبرع بالإجابة بدلاً عنهم:
[عن جابر بن عبدالله وسلمة بن الاكوع قالا: كنا في جيش فأتانا رسول الله –ص- فقال انه قد أذن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا! - البخاري – باب نهي الرسول عن المتعة آخراً]
وقد أورد مسلم أحاديث كثيرة في هذا ووضعها تحت باب [نكاح المتعة وبيان انه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ]
ومن هذين الحديثين نرى أن الرسول أباحه في الحرب وأنه لم يحرمه إلا آخراً بعد أن استتب له الأمر، فهل من التجني أن نقول إن الرسول أباح أمراً غير أخلاقي بمعايير جميع الأمم والثقافات: السماوية منها والأرضية التي أدانت هذا الفعل؟ وهل من التجني أن نقول إنه أباحه إرضاء لرغبات المحاربين كما أباح لهم نكاح المتزوجات بدون حيضة الاستبراء وكما أباح لهم نكاح ملك اليمين بدون تقييد؟
وإذا كان انتهاك القواعد الأخلاقية التي تعارف عليها البشر حتى قبل الأديان يعد من الحكمة والسياسة الشرعية فما الفرق بين الأنبياء وقطاع الطرق ورؤساء العصابات؟
وأحسب أنه قد آن الأوان لرسم الجانب الثاني من الصورة: فإذا كان الجانب الأول هو الغنائم فإن الجانب الثاني كما بينّا هو الجنس.. فنحن نرى أن السماء لم تبخل على المحاربين لا بالغنائم العينية ولا بالنساء، ولم تتردد في تطويع التشريع متى تذمر المحاربون، بل وفي إبداع تشريعات جديدة.. ونهدف من هذا إلى بيان بطلان الزعم بطهر هذه الثقافة وبطلان الزعم بأن الغزوات كانت لهداية الناس، فان من يجادل عن الغنائم ويبحث عن الرخص في نكاح النساء المتزوجات لا يتصور منه ان يكون خارجاً لدعوة الناس وهدايتهم كما يحب الإسلاميون ان يصوروهم لنا كرهبان بالليل فرسان بالنهار..
السؤال الثاني عشر:"لماذا تدرج في تحريم الخمر والربا ولم يتدرج عندما تعلـق الأمر بنكاح زوجـة ابنه في قصة زينب بنت جحش مع العلم أن هذه العادة كانت راسخة أكثر من رسوخ الخمر والربا؟"
لم يتعرض الأستاذ طارق لهذا السؤال قط لذا فلن أتوسع فيه الا بمقدار أن أقول أن الخمر والربا كانا أوسع انتشاراً بين
الناس بما لا يقاس بموضوع التبني ولذلك يبدو التشريع فيهما مفهوماً، ولكن بالنظر إلى هذه القصة فان شيئاً عجيباً يستوقفنا
وهو أن القضية في حد ذاتها تبدو مفتعلة لعدة أسباب:
1- لم نسمع أن شخصاً ما جاء إلى الرسول مستفتياً في زواج طليقة ابنه بالتبني كما جاءوه مستفتين في قضايا أخرى هي أتفه من هذه بكثير، كسؤالهم عن المحيض والأهلة.
2- لم نسمع بعد نزول التشريع أن أرتالاً من الناس الذين تصادف أن طلق أبناؤهم زوجاتهم استفادوا من هذا التشريع وتزوجوا بعدها مما يدل على أن هذه المشكلة لم يكن لها وجود الا في عقل صاحبها...
3- كان الأولى بالتشريع أن يبين لنا أيضاً هل يجوز للولد المتبنى أن يتجوز مطلقة أبيه (أي الإباحة في الاتجاه العكسي) ولكن هذا لم يحدث، إذ أن التشريع لم يكن يهمه ذلك بأي حال، بل كان كل همه أن يزوج زينب للرسول ويضع ذلك في غلاف شرعي حتى يأمن القيل والقال الذي ستسببه هذه القصة...
وهذه نقطة مهمة: إذ أن المؤمنين في حاجة إلى أن يعرفوا حدود دينهم وإذا تصورنا شخصاً يريد الزواج من طليقة متبناه فلا بد لنا أن نتصور شخصاً يريد أن يتزوج من طليقة أبيه بالتبني، فلماذا لم يشرع الله له ذلك تحليلاً أو تحريماً والله يقول (ما فرطنا في الكتاب من شيء)؟.. ونرى بالبداهة أن الآباء يموتون عادة قبل الأبناء مما يترك زوجاتهم أرامل ويفتح باب السؤال أمام الأبناء حول جواز أو حرمة زواجهم منهن، فلم لم يتطرق التشريع لهذا الأمر؟ وهل من قبيل المصادفة أن الرسول أعجب بزينب كما بينّا فنزل التشريع على قدر ذلك؟
القصة كلها مفتعلة.. فقد رأى الرسول زينب وأعجب بها كما بينا بعدة روايات في مقالات سابقة، وقد أخبرت زينب زوجها بذلك، فذهب اليه وقال له (لعل زينب أعجبتك فأفارقها لك) وفي رواية أخرى (أطلقها لك يارسول الله) وأوردنا أيضاً تفسير ابن عباس حبر الأمة ومن دعا له الرسول بالفهم لقوله (وتخفي في نفسك) بقوله (من الحب لها).
فهل هذا مما يقصد به هدم الخرافة؟ طبعاً لا! ولكن المقصود هو استكمال الصورة التي نرسمها لصاحب الرسالة وأيضاً للتدليل على ثقافة التنازل عن الزوجات التي ادعى بعضهم أنها أفضل الثقافات..
ونهدف أيضاً إلى التركيز على كيفية نزول الآيات، ولعل من المفارقات أن زينب التي تزوجت زيداً غصباً عنها بآية قرآنية (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ...) عندما جاءها زيد ليخطبها إلى الرسول كأنها أرادت أن تنزل فيها آية قرآنية أخرى فقالت لزيد (لا أتزوج حتى أؤامر ربي)، وكأنها تقول للرسول (إذا كنت قادراً على تزويجي من زيد بالقرآن فلم لا تقدر على تزويجي منك بالقرآن أيضاً؟).
وبطبيعة الحال، فان مؤامرتها لربها أمر لا يستطيع أحد التكهن بكم سيستغرق من الوقت، ولم ندعّ في أي وقت أن الرسول إنسان ينقصه الذكاء أو الفطنة، ولذلك لم يتأخر القرآن كما عودنا في هذه المواقف فنزل جبريل على الرسول بآيات (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها...) ونعرف أيضاً أن الرسول دخل على زينب بغير إذن وبغير ولي ولا شاهد بمجرد نزول هذه الآية بحسبان ان الزواج قد تم عقده في السماء ووليه الله وشاهده جبريل [لاحظ الخصائص الشرعية]..
قارن عزيزي القارئ هذا الموقف بموقف عائشة عندما رفضت أن تدافع عن نفسها وقالت إن الله سيبرؤها!! فكأنها تفعل ما فعلته زينب إذ أنها تعرف أن الرسول إذا أراد شيئاً فإن قرآناً سينزل في ذلك لا محالة، ومن حسن الحظ أن لم يخب ظن عائشة ولا ظن زينب.. ولعل من المناسب هنا أن نستحضر قول عائشة في الصحيح (أرى ربك يسارع لك في هواك).
وللقارئ أن يتساءل عن سبب نسيان المشرع لأمر مهم كإقرار نص لتحرير العبيد بينما انشغل شغلاً شديداً بتزويج هذه المرأة حيناً وتطليقها حيناً آخر ناهيك عن إرسال الصور مع الملائكة، وفض النزاعات الزوجية (عسى ربه ان طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن....) وغيرها من الحوادث النسائية الأخرى..
أما فيما يخص التدرج فقد كان يمكن للرسول أن يقول للناس إن هناك آية نزلت مفادها أن لا حرج عليكم في الزواج من مطلقات أدعيائكم وكفى، وحتى إذا لم يستسغ العرب في ذلك الحين هذا الأمر فلا حرج إذ أنه ليس من الواجبات الشرعية أن يتزوج الناس مطلقات أدعيائهم، ومع مرور الزمن ستذهب هذه العادة لحالها، ولم تكن ثمة حاجة ليضرب الرسول المثل بنفسه وفي نفس يوم نزول الآية فيدخل على زينب مسرعاً بغير إذن، وكان من الممكن له أن ينتظر عاماً أو عامين لكي يتشرب الناس هذا التشريع تدريجياً ... فالدعوى هنا بالتشريع هي دعوى إعتذارية لا تنهض بها حجة..
لاحظ أيضاً قول القرآن (فلما قضى زيد منها وطراً) وقوله (أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً) لتفهم كيف ينظر الإسلام إلى العلاقة الزوجية وكيف يعبر عنها بقضاء الوطر وكأنما هذه المرأة مادة للجنس يأخذها الرجل فيقضي منها وطراً ثم يتركها لرجل يتلمظ ليقضي هذا الوطر وهكذا..
لقد طال هذا المقال أعزائي القراء أكثر مما قدرت له ولا يزال في جعبتنا ثمانية أسئلة نريد إلقاء الضوء عليها فاستحسنت أن أجعله في جزئين حتى لا يصاب القارئ بالملل، فأستودعكم عقولكم حتى ذلك الحين إن كان في العمر بقية..