تأملات في أحداث الأقصى
حكيم الليبي


الزمان هو بضعة أيام مضت، أو قل بضعة عقود مضت. والمكان هو المسجد الأقصى بمدينة القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وهو مسرى الرسول وبه حائط البراق، فالمكان مقدس بلا شك، عندنا فيه من الله حجة وبرهان، يحرم التنازل عنه، وتهون في سبيله النفوس وترخص الدماء...هذا عندما ننظر بنظارة إسلامية، أو مسلمة إن شئت..

وإذا نزعنا هذه النظارة واستبدلناها بنظارة يهودية، أو اسرائيلية إن شئت، فماذا نرى؟! لن نلحظ اختلافاً في الزمان بكل تأكيد، إلا ما كان من قدرة هذه النظارة على الرؤية لبضعة قرون إلى الوراء عما رأيناه بالنظارة الأولى!... أما المكان فستندهش لاختلافه... فالمكان هو نفس المكان ولكن مكان المسجد الأقصى يوجد مبنى آخر يسمى هيكل سليمان، ومكان حائط البراق يوجد حائط مشابه ولكن اسمه حائط المبكى، وهي أماكن مقدسة ولا شك، عندهم فيها من الله حجة وبرهان، ويحرم التنازل عنها، وتهون في سبيلها النفوس وترخص الدماء.

والمشهد هو جماعة يهودية متطرفة تحشد أتباعها من شعب الله المختار، ممن فضلناهم على العالمين للدخول إلى المكان المقدس، وجماعة مسلمة أخرى تحشد أتباعها من خير أمةٍ أخرجت للناس لمنع تدنيس هذا المكان المقدس!!!

هل ترون حساسية هذا الموقف؟ أتدركون درجة التعقيد فيه؟ هل ترون بادرة احتكاك؟ بكل تأكيد!! صراع يوشك أن يشتعل بين شعب الله المختار وبين خير أمة أخرجت للناس، وكلا الطرفين لا يضن بمال ولا نفس ولا جهد في سبيل إرضاء الله، نفس الإله!! كلاهما لا يرى الخير في حياة تدنس فيها المقدسات وتنتهك الحرمات من قبل الآخر النجس الكافر المغضوب عليه...

هذا صراع كفيل بأن يجعل الله نفسه في حيرة من أمره.. فهو لا يستطيع أن ينكر أنه فضل اليهود على العالمين، وأنه كتب لهم الأرض المقدسة (أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) ونحن نعلم أنه لا تبديل لكلمات الله، كما لا يستطيع أن ينكر أنه وعد المسلمين بالنصر والتمكين والاستخلاف، وأنه جعلهم أوصياء على البشرية حتى يظهر دينه على الدين كله ولو كره الكافرون...

والحق أنه مهما وضعنا هذه النظارة أو تلك فإننا لن نصل إلى نتيجة، فدعونا ننزعهما جميعاً وننظر نظرة مختلفة! ما هو الحل لهذه المعضلة.. كلا الطرفين يرى أن الحل هو حرب دينية مقدسة تنتهي بفناء أحد الطرفين أو كليهما ولكن هل هذه نهاية المشكلة؟؟ ليس بعد!! فسيلتقي هذان الفريقان في عرصات القيامة، وعندها سيجد صاحب الأمر نفسه في موقف غاية في الإحراج.. فقد وعد الفريقين بالجنة وهذا مسجل وموثق في التوراة والقرآن، وهم لن يرضوا بأقل من ذلك، ولكنهم كذلك لن يرضوا أن يتجاوروا فيها.. ونعلم أن الجنة طبقات ولكن حتى لو وضع كل فريق في طبقة فإن أصحاب الطبقة السفلي سيحتجون..

ويزداد الموقف تعقيداً عندما يأتي المسلمون بأول شافع ومشفع فيفاجئهم بنو إسرائيل بعشرات إن لم يكن المئات من الأنبياء.. فما الحل؟؟

أنا شخصياً لا أدري ما هو الحل، ولكني أعتقد أنه إما أن الله سيتركهم يتقاتلون في عرصات القيامة حتى يفني بعضهم بعضاً، أو أن يرسل لهم رسلاً جدداً (أو نفس الرسل، فلا فرق) وينزل كتباً أخرى أكثر وضوحاً عسى أن تكون التجربة هذه المرة أكثر نجاحاً....

لا أدري لماذ تذكرني هذه القصة بشريطٍ سينمائيٍ مصري لا أذكر اسمه، عن مقاولٍ نصاب، باع شقة سكنيةً لشخصين، دفع كلٌُ منهما الثمن كاملاً (على داير مليم)، ويملك كل منهما عقداً صحيحاً، ومستعد أن يموت في سبيل شقته تلك... كان الحل في هذا الشريط أن المقاول اختفى وترك المغفليْن (بنصب اللام) يتقاتلان..

وتصبحون على عقل ...