اثنان أهل الأرض...
حكيم الليبي


وهذا من شعر حكيم المعرة، رهين المحبسين – أبو العلاء المعري وتمامه:

إثنان أهلُ الأرضِ ذُو عَـقـل بلا ..      .. ديـنٍ وآخرُ ديـّنٌ لا عقـلَ لهْ

أصابنا الأستاذ فرج الفاخري بالحيرة في مقاله "إلى حكيم ومحاوريه..." فقد بدأ كلامه عقلانياً وانتهى شبه نادمٍ على المقال، ووجه إلينا كلاماً أخوياً جميلاً ثم انتهى باتهامنا بالسوقية والتهريج والنقد الرخيص والانتماء إلى جهات مغرضة، وبدأ المقال وكأنه طرف محايد يسدي النصح إلى طرفين متحاورين وانتهى في أقصى الطرف الآخر.

ودعانا دعوة أخوية لترك الجدال في هذه المواضيع، وهذه دعوة طيبة كان لنا أن نتقبلها شاكرين رأباً للصدع ولكنه هدم هذه الدعوة بسوقه حججاً كثيرة ضدنا فكان لزاماً علينا أن نرد، وهدم دعوته أيضاً بدعوتي الى الانسحاب تجنباً لوطأة الانكسار لاحقاً، وهذا ولاشك ينافي الدعوة الى الانسحاب بالحسنى إذ أنها تحمل تهديداً لا يخفى، وكان من اللباقة أن يترك لنا مخرجاً يحفظ لنا ماء الوجه حتى إذا قررنا الانسحاب لم يُحْسب ذلك علينا هزيمة أو ضعف حجة، ولكنه لم يملك نفسه وشرع فيتوجيه الضربات لنا ولهذا نجد أنفسنا في موضع يلزمنا بالرد على ما قاله ونرجو أن يتسع صدره لسماعنا وأن لا تنزل حججنا في نفسه منزلة التهريج أو السوقية.

وأريد أن أعترض عليه في نقطة وهي اتهامه لي بأني أرغب في استغلال الردود البذيئة لكي أظهر بمظهر المفكر ذي الحجة وهذا غير صحيح فصفحة الرسائل تحفل باتهامات لشخصي تتراوح ما بين اللواط إلى التشبه بالحيوانات ومع ذلك تجاهلتها جميعاً وفضلت الرد فقط على الردود التي بها شيء من العقلانية وإن كانت لا تخلو من الشتائم كما بينته في مقالي الأخير (فجعلنا عاليها سافلها..)، وأنا إذا اخترت ألا أرد إلا على المواضيع التي تخلو من الشتائم فمعنى ذلك أن أكسر قلمي... فأرجو من الأستاذ فرج أن يتحرى الدقة..

ومن خلال مقالاتي السابقة أثبتُ انني لا أنكص عن إجابة، وليس لدي ما أخفيه، ولم أظهر على القارىء بوجه ثم بدلته، وسأجري على نفس السنة في ردي على الأستاذ فرج وأجيب على أسئلته بكل سرور.

سألني إن كنتُ مسلماً أو أنني صاحب عقيدة أخرى أريد بثها، وأريح صدره بقولي إني مسلم بالوراثة من أسرة مسلمة أباً عن جد، وقد درست الدين الاسلامي في ما درست من معارف، ولا يخفى عمن قرأ أياً من مقالاتي أنني لا أقتنع بسماوية الأديان جميعاً، وليس لدي بضاعة دينية أريد تسويقها فلست ببائع في سوق الديانات ولا مشتر، وما أفعله هو دور الناقد الذي يبين للناس نوعية هذه البضائع التي يبيعونها أو يشترونها، فتستطيع أن تصنفني في خانة المدافع عن حقوق المستهلكين، ولا أظن الكاتب ينكر علينا حقنا في نقد الدين من حيث المبدأ أو أن نكتب في هذا الموضوع متى شئنا، وإن كان من حقه أن ينتقد الأسلوب إذا رآه مجافياً للصواب أو مثيراً للإستفزاز.

وشبهني الكاتب بمن يلعق جدران مبنى شامخ أملاً في هدمها، وهو تشبيه غير موفق إذ أنني لا آمل في هدم شيء، وهذا الذي يراه شامخاً إنما هو شامخ في قلوب اتباعه وخيالاتهم وأحلامهم وأمانيهم، وأنا لا أتوجه بكلامي لمن لا يقبل التفكير وإنما اتوجه به لمن أراد أن يتفكر ويتدبر، وهؤلاء وإن كانوا قلة فهذا دأب المفكرين في كل زمن فلا جديد تحت الشمس، ويثلج صدري رسائل الاستحسان التي أتلقاها من الكثيرين وأرى أن المستقبل يحمل بشائر انهيار الخرافة، ليس في حياتي ربما، ولكن انهيارها قادم لا محالة، وإذا أضأتُ بكتاباتي شمعةً في هذا الظلام الدامس اهتدى بها شخصٌ واحد فهذا حسبي.

وحاول تصويري كمن يلجأ الي الرتوش وسلوك الأفراد ويتخذها حجة على الدين، وهذا أيضاً غير صحيح، ولعله يذكر أن من أسئلتي التسعة عشر لا يوجد سؤال واحد يتعلق بسلوكِ صحابي إلا ماكان من قتل خالد بن الوليد لسبعين ألفاً دون أي يعرض عليهم الإسلام، وهذه سقتها في مجال السؤال عن سبب عدم عرض الرسول الإسلام على ما يقرب من ثمانمائة شخص قتلهم من بني قريظة من بينهم أطفال، فإذا كان الكاتب يرى أن أفعال رسول الإسلام ليست حجة على الإسلام فليقل لنا ذلك، وسؤال آخر عن سبب ضرب عمر للإماء المحجبات ونهدف منه إلى إثبات أن عمر وهوَ منْ هوَ لم يفهم الحجاب قط كتشريع أخلاقي وإنما فهمه كتشريع طبقي يراد منه تمييز الإماء عن الحرائر فأين الخطأ في ذلك؟!

أما تفسيره لزواج الرسول من عائشة وهي بنت تسع وادعاؤه بأن هذا من عادات الزمن ولا حرج، فنقول له أنه إذا كان الإسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان، فإن رسوله يجب أن يكون قدوة للناس في كل زمان ومكان أليس كذلك؟ فإذا كانت معايير عصرنا هذا غير صالحة للحكم على زمن الرسول، فما الذي يجعل معايير عصرهم صالحةً للحكم على زماننا؟ ونحن أول القائلين بتاريخية النص وأنه جاء (أياً كان مصدره) لمعالجة مشاكل معينة في زمن معين وأن محاولة فرضه في هذا الزمن هو ضرب من الانتحار إلا ماكان من حث على العبادات والخير والفضيلة فهذا ما لا ننكره.

وأرده إلى مقالاتي ليعلم أني لم أتهم عائشة بالفاحشة وإنما قلت أن الرسول لم يكن واثقاً من برائتها وسقت الأدلة في مقالي السابق (فجعلنا عاليها سافلها..) فليرجع لها، وله أن يناقشنا في هذه النصوص إن شاء وليس بما يتمنى هو أن يكون عليه الحال..

ويبدو لي أن النقطة الجوهرية التي يدور حولها حديث الكاتب هي ظنه أنه يستطيع بهذا الأسلوب الاعتذاري دفع هذه الخروقات الخطيرة للشريعة من صاحبها نفسه، ويبدو أنه لا يعول على النصوص كثيراً إذ أنه يتفادى الدخول في تفاصيلها، ويفضل الحديث في العموميات، وهذا إن أفاد في الحوار مع الأجانب لجهلهم بهذا الدين فانه لا يصلح في مقامنا هذا، والسبب أنك لا تستطيع أن تلبس الإسلام ثوباً لأنه يروق لك بينما نصوص قرآنه وكلام رسوله وسلوكه تناقض هذا الفهم، كادعاؤك مثلاً أن الرسول لا بد وأن يطبق الشريعة حتى على أقرب الناس اليه بينما تتجاهل بكل بساطة حديث مسلم عن الرجل الذي اتهم بمارية القبطية.. أما إذا كنت تنكر حجية الحديث الصحيح فأرجو أن تعلن ذلك حتى يكون حوارنا مثمراً ولا أحتج عليك بما لا ترى فيه حجة، ولا ألزمك بما لا تلزم به نفسك.

كما أصحح لك نقطة أخرى وهي محاولتك إيجاد (الغرض) من كتاباتي ولا أدري ماذا يمكن أن يكون هذا الغرض، فهل يستحيل عقلاً أن يكون لشخص ما مثل هذه الآراء في الأديان عامة ومنها الإسلام؟ وقد قلت بنفسك أن هناك غيري ممن يقولون بهذا، فهل من المستحيل عقلاً أن يقرر أحد هؤلاء أن ينقل آراءه للناس عبر صفحة إنترنت؟ فإذا كنت ترى هذا مما يستحيل عقلاً فأرجوك أن تأتي بالدليل.

ومن باب النصيحة أقول لك أن هذه الطريقة في محاولة التصنيف لن تجديك نفعاً، وللقارىء الكريم فإن من اعتادوا على وضع الناس في قوالب معينة حتى يسهل عليهم تصنيفهم والرد عليهم يصرون اصراراً مميتاً على وضعي في أحد هذه القوالب، ومما يثير الأسى أنهم إذا عجزوا عن ذلك لجأوا إلى خصمهم في هذا الحوار، يلتمسون منه مد يد العون في تصنيف نفسه حتى تسهل مهمتهم في الرد! (لاحظ أيها القارىء أن هذا السؤال ورد تقريباً في جميع الردود وانظر مثلاً رد خالد الغول وخالد الورشفاني وعبدالرحمن القحفلي وغيرهم).

ثم دخل الكاتب إلى تعريف الإيمان وقال (المؤمن بالعقيدة الإسلامية هو ذلك الإنسان الذي يعي بقوة العقل وشدة المشاعر الوجدانية والروحية ... والتسليم بكافة ما أنزله ... الخ) وهذا ما نريده تماماً: الإيمان بقوة العقل، ثم زاد في الشرح فقال (فالبحث عن الله ثم الإيمان به لا يأتي إلا عن طريق الرسل والأنبياء) وهو هنا إما أن يكون يقصد أننا يجب أن نعرض كلام وحجج الأنبياء على العقل ليستقيم تعريفه للايمان، أو أن نصدقهم بدون حجج فينهدم تعريفه!! فأنا أريد منه إجابة عن هذا السؤال: أين موضع العقل في تعريفك للإيمان؟ هل هو في عرض النصوص على العقل أو عرض الأنبياء على العقل أم أين؟ وهل يحدث هذا قبل الإيمان أم بعده؟

والنبوة والأنبياء أخي فرج مبحث طويل جداً ويهمني أن أذكر باختصار أننا مالم نختبر صدق نبوة أي نبي فإننا لن نأمن أن يأتي أناسٌ طموحون يدعون النبوة! فهل تتفق معي في ذلك أم تراك ستصدق كل مدع للنبوة؟؟ أظنك تتفق معي في أننا يجب أن نعرض أقوال كل "نبي" وأفعاله على العقل لنعلم هل هذا الشخص هو رسول أم لا! إلا إذا كنت تعتمد على المعجزات في إثبات النبوة .. ولو أني لا أعتد بالمعجزات كدليل على إثبات المسائل المنطقية ولكني سأسلم لك بذلك إن أردته فيبقى علينا أن نثبت أن هذا الرسول جاء بالمعجزات، وأن هذه المعجزات يجب أن تكون عامة ظاهرة وليست خاصة مخفية عن المعنيين بها.. فهل تتفق معي أننا لكي نصل الى الإيمان الصحيح بنبوة شخص ما يجب علينا إما أن نعرض كلامه وحججه على العقل أو أن نرى معجزاتٍ يستحيل انكارها؟ وهل يكفي أن يكون شخصُ ما على خلق حسن وأن يكون محبوباً من أتباعه وأن يدعي النبوة حتى يكون نبياً؟ فإذا كان ذلك كذلك فان بوذا وكرشنا والدالاي لاما أنبياء اذا ادعوا ذلك ولا شك.. فإذا كنت مستعداً لذلك فلعلنا نبدأ في نقاشه في مقالات قادمة حتى نكون على بينة وأرجو ألا تتهمنا بالبحث عن القشور فإن مبحث النبوة هو من أهم المباحث..

وقال إن الإيمان ليس فيه إجبار أو إرغام وهذا ما ينبغي أن يكون ولكنه غير صحيح من وجهة النظر الإسلامية، والدليل أن أغلب علماء المسلمين يقولون إن آية (لا اكراه في الدين) وآية (لكم دينكم ولي دين) وآية (من شاء فليؤمن) الخ هي آيات منسوخة، ويكفينا حد الردة الشهير، فإذا كنت تتكلم بما تتمنى أن يكون عليه الإسلام فهذا شأنك، ولكنك تعلم أن آية السيف نسخت كل الآيات السابقة وأن ما تركه الرسول هو (من بدّل دينه فاقتلوه) وهو ما فهمه الصحابة والعلماء ويكاد يستقر عليه الإجماع فهل ترى القرآن وكلام الرسول حجة على الإسلام أم لا؟

وقال أيضاً (إذا تغلبت نوازع المرء بالشك في رسالة الله له ... فليس ذلك عيباً في الرسالة) وهذه قفزة غريبة فهو لم يقل لنا كيف يتأتى للإنسان أن يعرف أن هذه رسالة الله له وهو يرفض أن يستخدم العقل لتمحيص الرسالة واختبار الأنبياء؟ ولتوضيح كلامي فاليهود والنصارى مثلاً يؤمنون أنهم يتبعون رسالة الله لهم ولكنك مع ذلك تؤمن كمسلم أنهم على ضلال وأنهم من أهل النار فكيف ستحل هذه المعضلة؟ هل ستنصحهم بالتفكر في نصوصهم المقدسة وهو ما تنكره علينا؟ وفي هذه الجملة مغالطة أخرى، فإن الرسالة إذا لم تثبت صحتها للإنسان بما لا يدع مجالاً للشك وهو ما يسميه العلماء بإقامة الحجة فان العيب ولا شك في الرسالة وصاحبها إذ عجزا عن اثباتها وبيانها للناس، فحاله في هذا كحال المعلم الذي يفشل في إفهام تلاميذه ثم يعفي نفسه من المسئولية وينحي باللائمة عليهم.

وقال (ليس هناك شرط يحتم تقديم البراهين على صحة وجود الله لكي نؤمن به) وهذا أيضاً نص عجيب فكيف تعرف إذن أنك تؤمن بإله صحيح أم بإله مزيف أم بإله مصلوب أم بإله يتجسد في بشر أم بإله يتجسد في صورة امرأة كما يؤمن الكثيرون من أهل الأرض بل أكثر أهل الأرض؟ هل ستنصحهم بما تنهانا عنه وهو نقد النصوص للوصول إلى الحقيقة؟ أم أنك ستنصحهم بالتأمل في الكون؟ فالتأمل في الكون قد يقودك إلى الإيمان بالله ولكنه لن يقودك بالضرورة إلى الايمان بدين معين وأنت تعلم يقيناً أن النجاة لا تكون إلا بالإسلام، أم أن لك رأياً آخر؟

وقال (إن البراهين تفسد كيان الايمان الحقيقي وتبطله)!!! وكنا نظن أن البراهين سابقة على الايمان وشرط له فإذا بها لاحقة له بل وتفسده، وهذا يلحق بسابقه ولهذا نرى أن هناك 2 مليار مسيحي وعشرات ملايين اليهود ومئات ملايين الهندوس ولن يفكر أحدهم في دينه بالبراهين إذ أنها تفسد كيان إيمانهم إلا إذا استدرك الكاتب بحيلة تبيح لهم التفكير وتمنعنا نحن منه!

وقال (ولذا كان العقل والوجدان هما المحك في الاختيار بين الإيمان بالله أو الكفر به) وأنا لا زلت أبحث عن دور العقل في هذا الإيمان، وكنت سأقبل منه هذا القول إذا كان يقول بوحدة الأديان أي أن أي دين، أو لا دين، يوصل إلى الله وينجي صاحبه، ولكنه كمسلم لا يعتقد بهذا فهو يعتقد أن مجرد الإيمان بوجود الله لا يكفي الإنسان لكي ينجو وإنما النجاة مقرونة باتباع الدين الإسلامي فقط.

وقال إن الكتب الإلهية الأخرى محرفة وأن الله حفظ القرآن ولا أدري إن كان يقول هذا عن اطلاع أم أنه يردد ما يردده العامة وأصحاب العمائم، وباختصار أقول له: هذه دعوى غير صحيحة فلعله يعرف الحديث الصحيح عن آيات الرجم ورضاع الكبير التي كانت تحت سرير عائشة ودخل الداجن فأكلها عندما انشغلوا بدفن الرسول، ولعله يعلم أن عمر بن الخطاب يقول إن آية الرجم (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله) كانت في القرآن وضاعت منه عند جمعه، ولعله يعرف أن هناك في القرآن آيات نسخ لفظها وبقي حكمها كما يزعمون، ولعله يعرف أن بعض الصحابة لا يرى أن المعوذتين من المصحف، دع عنك القراءات الشاذة وهي غير القراءات السبع المعروفة، ويستطيع السادة المشايخ تكذيبنا ويسرنا أن نأتي بالأدلة على ذلك.

وأما قوله أن التوراة محرفة فلعله يأتينا بدليل تاريخي على ذلك، فما الذي يدعو اليهود إلى تحريف كتابهم وهم أشد الناس تزمتاً واتباعاً لتعاليم دينهم؟ وهب أنهم حرفوا توراتهم فلا بد أن يكون ذلك قد سبق بعثة محمد أي قبل أربعة عشر قرناً على الأقل فقل لي يا سيدي: كيف يتأتى ليهودي في هذا الزمن أن يعرف أن توراته محرفة؟ لا تقل لي يجب عليه التدبر والتفكر فيها لايجاد التحريف فهذا هو عين ما تنهانا عنه، وهو إذا فعل ذلك فسيثور عليه المتدينون وسيتهمونه بنفس ما تتهمني به من الانتماء إلى جهات مشبوهة إلى ترديد كلام أعداء الدين الى غير ذلك، أما إذا انتهى به بحثه إلى الإسلام فسيلقى منكم الاستحسان والثناء فهل لك أن تفسر هذه المعضلات؟

وإذا كانت التوراة محرفة ياسيدي فما الذي دعا الله إلى القول (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)؟ فهو يقر بأن حكم الله حتى ذلك التاريخ كان محفوظاً في التوراة فهل تغيرت التوراة بعد وفاة الرسول؟ أم أنك ستقول لي أن ما كان موجوداً في التوراة هو حكم الله في تلك الحادثة بعينها (حد الرجم) ولا يعني ذلك خلوها من التحريف؟ عندها سأقول: ماذا حدث للقاعدة الفقهية (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب).. وكيف لك أن تفسر أن حكم الله (الرجم) ظل موجوداً في التوراة وسقط من القرآن!!!

واتهمني بأن الإيمان لم يدخل قلبي يوماً ما وهذا غير صحيح فقد أسلفت أنني انفقت سنين عديدة من عمري في تدارس هذا الدين وإني أعلم عن هذا الدين أكثر بكثير مما يعلمه معظم من يحاورونني على هذه الصفحة ولعله لا ينكر علينا أننا نستشهد لما نقول بالنصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة وبكتب كبار العلماء والمفسرين، ولم أستشهد بقول مستشرق قط ففيم يلومنا؟

أما خوضه في متاهة التحليل النفسي وإرجاع موقفي من الأديان الى صدمة حضارية نتيجة الانتقال للغرب فهو مضحك، ولولا أن يتهمنا بإساءة الأدب لقلنا إنه تحليل سطحي لا يشتم منه رائحة العلم ولا يختلف عما يقوله رجل الشارع عندما يرى سلوكاً لا يفهمه فيرجعه إلى الصدمة الحضارية، ولعله يستخدم هذا التحليل النفسي مع روجيه غارودي مثلاً أو يوسف إسلام وغيرهم إذ أنهم فعلوا نفس ما أفعله وهو التدبر والتفكر فيما كان مقدساً لديهم، ولكنه يعتبرهم منصفين وعقلانيين وأذكياء ويعتبرنا سوقيين ومغرضين ومشككيين ومرضى نفسيين وأصحاب أغراض فسبحان مغير الأحوال.

ثم كلف الكاتب نفسه إثبات أن نقدي رخيص فقال إني بحثت عن (اعتراجات في قشورها الخارجية والهامشية) ولا أدري إن كان قد قرأ مقالاتي أم مر عليها مرور الكرام، وأقول له: هل قتل رسول لأطفال هو من القشور؟ وهل إعراض الرسول عن شريعته بأمره بقتل المتهم بمارية القبطية بدون شهود، وبدخوله بصفية بدون استبراء رحمها، وبتقطيع وتحريق النخيل هو من القشور؟ وهل ضرب عمر الإماء المسلمات لكي ينزعن الحجاب هو من القشور؟ وهل اباحة الزنا (زواج المتعة) متى دعت الحاجة وتحريمه عند انقضائها هو من القشور؟ وهل إرسال الرسل لاغتيال المعارضين، والأمر بقتل النساء والرجال في داخل الكعبة هو من القشور؟ وهل تحقير المرأة وهضمها حقوقها وتنصيف شهادتها وإرثها وديتها هو من القشور؟ وهل استعباد الناس من القشور؟ فإذا كنت ترى هذه الأمور من القشور فأرجوك أن تدلني على الأمور الجوهرية!

وقولك إن إثارة هذه الأشياء لن يغير إيمان المؤمنين بها ليس حجة ولا يضرني فلستُ صاحب حزب يريد النجاح في الانتخابات، وكذلك فان حُجَجُك الإسلامية مهما كانت قوتها لن تغير إيمان المؤمنين بالصليب أو بيهوه أو بكرشنا أو حتى بصورة صاحب التاكسي فمن أراد الإيمان بشيء سيؤمن به مهما أتته البينات وما حيلتي في من أغلق عقله ورمى بالمفتاح في البحر؟

وقال أيضاً (لو كنت تريد نقد الدين فاذهب لمسلماته الأساسية التي قام عليها والمتمثلة في تقوية علاقة الإنسان بربه، وببقية بني جنسه ... وتبادل الاحترام بين بني البشر ... الخ) وأول سؤال هو: كيف أصبحت هذه المسلمات مسلمات دون أن تمر على العقل؟ كما أن هذه المسلمات هي نفس ما تدعو اليه جميع الأديان السماوية والفلسفات الأرضية فما الذي يميز حقاً عن باطلٍ اذن؟ الا إذا كنت من دعاة وحدة الأديان وأن كل الطرق تؤدي إلى روما فهذا له حديث آخر.. ومادمت تتحدث عن الاحترام بين بني البشر فلعلك تفسر لنا نعت الناس بأحفاد القردة والخنازير، ولعلك توضح لنا موقفك من الجزية وأحكام أهل الذمة في ضوء هذا الاحترام الذي تدعي أنه من المسلمات ولعلك أيضاً تبين لنا موقفك من حد الردة...

تعقيبه الأخير: قال إنني بنشري مقالتي الأخيرتين عمقت تفاهة نقدي الهامشي وتدنيت إلى مستوى لا أستحق معه إعطائي "شرف الحوار" وهذا عجيب: فإذا بمجرد الحوار مع كاتبنا "شرف" يضن به علينا ويتردد في أن يمنحه أو يحجبه! ونبشره بأن حواره معنا ليس شرفاً لنا ولا عاراً علينا وإنما هو حوار وحوار فقط، وهو ليس ملزماً به وإذا عنّ له أن يحجبه عنا فذلك شأنه.

ثم رجع إلى نظرية المؤامرة اذ قال انه لاحظ تغيراً في أسلوبي مما يدل على أن من يكتب باسم حكيم هو أكثر من شخص وأن هناك جهازاً أو جهة تقوم بهذا الهجوم المكثف لأغراض استراتيجية!!! وهذا كلام طرافته تعبر عنه فقد نُشِرَ لي حتى تاريخ نشر مقال الكاتب خمس مقالات، وهاهو الكاتب يلاحظ تغير الأسلوب في خمس مقالات ويرجح أن جهة ما ورائها، ولا أدري لمإذا لا تنشر هذه الجهة مقالاتٍ عدة بأسماء مختلفة حتى تكون الحملة مكثفة وتؤدي أهدافها! وكنا نظن أن عقول الإسلاميين فقط مسكونة بالمؤامرات فإذا بها تعشش في عقول أخرى...

ثم اتهمني مجدداً بالرخص في النقد وساق مثالاً سؤالي عن سبب إحجام الله عن إرسال الرسل لأمم الأرض باستثناء هذه المنطقة الصغيرة من الأرض! ولم أفهم لم يصم هذا السؤال بالرخص؟ ورغم أنه صال وجال وتتحدث عن كولومبوس وقال إن من معلومات التلاميذ أن محور العالم القديم كان متمركزاً في أراضي الشرق الأوسط.. وهذا كلام مفهوم لو كنا في مجال التحليل السياسي أو تحديد الثقل الثقافي أو الاقتصادي ولكنه غير مفهوم في مجال إرسال الرسل.. فالناس محتاجون إلى الرسل حتى ولو لم يكونوا في محور العالم القديم ولا أظن أن الله يحتقر سكان أستراليا الأصليين مثلاً أو الهنود الحمر الذين استقبلوا كولومبوس! أم أن هناك تفضيلاً لأمم على أمم حتى عند الله؟ أو أن الله لا يرسل رسلاً إلا لأصحاب الحضارات؟

وقال إن الله لعله أرسل الرسل في مناطق معينة لكي تعم رسالتها إلى المناطق الأخرى فأسأله سؤالاً:ما مصير المليارات الذين ماتوا ويموتون دون أن يصلهم الدين؟ لعلك ستقول لي أنهم غير مكلفين فاقول لك: هل تتهم الله بالعبث؟ فالله يقول (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) ويقول أيضاً (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فهو يجزم أنه لم يخلقهم عبثاً ولم يخلقهم إلا للعبادة ولكنك تقول إن هناك مليارات البشر يموتون دون أن تتاح لهم فرصة العبادة فهل يعني هذا أن الله يعبث أو يعني فشل الوسيلة التي اختارها الله ليبلغ بها دينه للبشر وهي إرسال الرسل؟

وقال لي في معرض تفسيره لعدم إرسال رسل للصين مثلاً وهي من أقدم الحضارات (وما أدراك أيها الحكيم أنه لم يكن فيها وحي ورسالات سبقت ...) فهو يسأل ذات السؤال الذي يتهمني بالرخص بسبب طرحي له، فأنا طرحت هذا السؤال على العلماء ولم أحظ بإجابة إلا رجماً بالغيب كما يفعل هو، ولعل العلماء يؤكدون لنا ما إذا كان بوذا نبياً أم لا.. وإذا كان الله قد أرسل إلى هذه الجموع الغفيرة من البشر أنبياء فلعلهم يبينون لنا لماذا نسي هؤلاء الناس أنبيائهم ولم يذكروا أن لديهم ديانات سماوية؟ ولماذا اهتم الله في القرآن بذكر أنبياء بني اسرائيل وهم لا يجاوزون 1% من سكان الأرض وأغفل ذكر أنبياء 99% من سكان الأرض؟

وأخيراً قال إنه يرجوني أن أبتعد عن رخص النقد وانتقاء المواضيع الهامشية وأقول له أبشر: فلن أطرح موضوعاً هامشياً جديداً إلا ماكان رداً على أحد.. ورجاني ألا أتعرض إلا إلى صلب الجوهر وأبشره أيضاً إنني سأعمل بنصيحته وإذ أنه يعتبر القرآن من صلب الجوهر فلعله لا يغضب منا إن ركزنا نقدنا مستقبلاً على صلب الجوهر وهو القرآن وأعده بذلك إلا إذا رفض الاستاذ اغنيوة نشره فلا حيلة لي في ذلك.

ورجاؤه الثاني ألا أخلط سلوك المسلمين بعقيدتهم وهذا ما لم أفعله فأنا لم أستدل بما يفعله المسلمون، ولو كنا ممن يفضل النقد الرخيص كما اتهمنا لكان لنا مجال واسع في توجيه الطعنات إلى الإسلام من سلوك المسلمين، ويعلم القاصي والداني أن سلوكهم لا يسر عدواً ولا صديقاً، ولكني لعدم إيماني بالنقد الرخيص فقد أتيت فقط بما فعله الرسول وهو حجة على الإسلام ولا شك إلا إذا كان يرى غير ذلك فليخبرني.

ورجاؤه الثالث أن أبتعد عن السوقية والتهريج، وإن كنت لا أعتقد أنني اعتمدت السوقية ولا التهريج وكان أولى به أن يوجه الكلام لمن اتهمونا باللواط والزنا ومشابهة الحيوانات وغيرها، ومع ذلك سألتزم بما نصحني به الأستاذ فرج مشكوراً حتى وإن كان التزاماً من طرف واحد...

وأخيراً أشكر له أن أمسك بقلمه ومنحنا شرف الرد على شخصنا المتواضع وأرجو ألا يكون قد بدر مني في حقه ما يخل بالأدب فذلك ما لم أتعمده وأعتذر عنه إن حدث، فلا نريد هذا إلا حواراً بناءً ولا نريد أن نفجُرَ في خصومة ولا أن يفسد حوارنا للود قضية، كما أعتذر لأعزائي القراء عن الإطالة وأستودعكم عقولكم حتى لقاء قريب إن كان في العمر بقية...