عليها تسعة عشر...
من قبيل المشاكسة وحبي للشعر أورد هذا البيت الذي قاله جرير لما علم أن الفرزدق الشاعر قد توعد شخصاً
اسمه مربع بالقتل فقال:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً
أبشر بطول سلامة يا مربع
وقد استحضرت هذا البيت عندما قرأت مقال الأخ الباحث "خالد الورشفاني" بعنوان "وما أدراك ما حكيم"! ودع عنك أن عنوان المقال لا علاقة له بموضوعه، فقد استبشرت خيراً وقلت "هاهو باحثُ شرعي قد تنازل للرد على أسئلتي" ولكن خاب أملي كالعادة، فبدلاً أن يجيب عن الأسئلة طفق يسئل بدوره أسئلة طفولية تعسفية من قبيل "
هل ستفخر بك أمك" ولا أدري ما علاقة هذا بموضوعنا!
ثم أبرز عقيدته في ما يتعلق بحرية الرأي حيث تهددني بالقتل في موضعين قائلاً "أمثال حكيم الذي لن تنتهي شبهاته إلا بالتدخل الجراحي العاجل لفصل رأسه عن جسده" وقال "
فلم يعد يصلح معه إلا مبضع الجراح" ولي تساؤلات حول هذه النقطة:
أولها: أن باحثنا يحاورني لأول مرة وهو لم يبدأ الحوار بعد، فإذا كانت البداية بفصل الرأس عن الجسد وباستخدام مبضع الجراح فمتى يكون الحوار وماذا تكون النهاية؟
ثانيها: إذا كان هذا أسلوب الباحثين الشرعيين في الحوار فكيف بمن دونهم من عامة الناس؟ ولعلك تدرك عزيزي القارىء نوعية الحوار الفكري الذي ستنعم به بلدنا الحبيبة إن أمسك هؤلاء بزمام الأمور فيها.
ثم توعدني ثانيةً بأنه سيجهل فوق جهل الجاهلين، وما في الجهل فخر، وأنا أسلم له بذلك وأترك له ساحة الجهل يبارز فيها من يشاء ويتفوق فيها على من يشاء، أما أنا فقد اخترت ساحة العلم والبحث والحجة ولن استبدلها بساحات الجهل ولا بمباضع الجراحين.
ولعلي أعذره في تهديده لي بالقتل، والتلويح لي بالتمادي في الجهل فهو في هذا مقتدٍ وليس بمبتدع، فقد ذبح أسلافه الناس كما فعل خالد القسري بالجعد بن درهم، واستمعوا إلي شيخ باحثنا، ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية النجيب وهو يزكي هذه الأضحية البشرية قائلاً:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ .... قسري يوم ذبائح القـربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله ..... كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كـل صاحب سنة ... لله درك من أخــي قربان
ولعلي أعرج هنا على نقطة أثارها باحثنا وآخرون من قبله وهي لماذا لا أظهر باسمي الحقيقي؟ ولا أدري ما الذي سيستفيده من ذلك وهو الذي يهددني علناً بالقتل، وأمثاله يرسلون رسائل علنية وسرية تطفح وعيداً وتهديداً ثم يطلب مني أن أكشف عن اسمي لكي يحرض علينا أحد اليائسين كي ينفذ فينا حد الردة ويهرب من حياته الكئيبة إلى حيث تستقبله الحور العين والغلمان المخلدون.
وقال أن بعض الفضلاء ردوا على بعض أسئلتي وذلك ما لا أعلمه إلا إذا كانوا يكتبون في صفحاتٍ أخرى غير صفحة الأستاذ ابراهيم اغنيوة أو إذا كان يعتبر الهذيان الذي يكتبه فارس بني عكار من قبيل الردود؟ وقال انني شعرت بسقف تلك الشبهات يخر على رأسي فأنكرتها وقلبي يصدقها ودفعتها وعقلي يؤمن بها!! وهاهو ذا باحثُ آخر ينضم إلى قافلة الأطباء النفسيين ومستحضري الأرواح وإلا فكيف عرف ذلك؟؟ ولماذا أنكر شيئأ وأنا أعتقد صحته؟ فهل سأخسر مالاً أم جاهاً أم منصباً في جامعة إسلامية غربية؟
ثم ناقض نفسه وقال انه تمنى لو أن بعض الفضلاء ردوا على كتاباتي، ويبدو أن هؤلاء الفضلاء قليلون عدداً أو أنهم يتدافعون هذا الرد فيما بينهم ويحيله بعضهم إلى بعض.. وهو في هذا يعترف بأن لا أحد رد علينا رداً شافياً فتصدى للرد بنفسه مقدماً أنه ذو مشاغل، ولا أدري ما الذي يشغل باحثاً شرعياً عن الدفاع عن دينه؟ ثم لننظر إلى رده بقليل من التأني:
قال زوراً انني اتهمت عائشة بنت أبي بكر في عرضها وهذا ما لم أقله وأتحداه أن يأتي بما يدل عليه في مقالاتي، وأنا أول من يشفق على عائشة ويبرؤها فهي ضحية مجتمع ساقها إلى الفراش وهي بنت تسع، وأكل عرضها ولم تجاوز الخامسة عشر أو تكاد.. وإنما قلت أن الرسول إذا كان واثقاً من برائتها فلمَ أعرض عنها وهي تقاسي المرض حتى غضبت وطلبت منه التداوي في بيت أبيها وبقيت هنالك حتى نزلت برائتها؟ فهل هذا سلوك من يثق في براءة زوجته؟
وحتى لا يتهمني أحد بأني أسأتُ فهم هذا السلوك، أتيت لهم بحديث من صحيح مسلم عن رجل كان يتهم بالزنا مع مارية القبطية فأمر الرسول علياً بقتله دون احضار أربعة شهود كي تثبت جريمة الزنا كما ينص القرآن، ولم يتبين كما أمر في القرآن
(إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)، كما لم يدرأ الحدود بالشبهات كما أمرنا هو نفسه، ولم يعط الرجل فرصة الدفاع عن نفسه، ولم يقطع الشك باليقين كما أُمر في القرآن
(إن بعض الظن إثم)..
فاختار باحثنا أن يقفز على هذه الأسئلة ويغض الطرف عنها رغم تعهده بالإجابة وطفق بدلاً عن ذلك في توجيه الأسئلة التعسفية وكان لزاماً عليه من باب الإنصاف أن يجيب على أسئلتي إذ أنها سابقة لأسئلته ثم له بعد ذلك أن يسأل عما يشاء.
وحتى أثبت للقراء اني لا أنكص عن الإجابة فأقول له: حباً وكرامة.. سأجيب عن أسئلتك واحداً واحداً وأرجو أن لا تجر هذه أسئلة أخرى تتعلق بشخصي المتواضع فلست موضوع البحث!
سؤاله الأول: عن لماذا لا أكشف له عن اسمي وقد بينت في بداية هذا المقال أني لا أريد أن يقتلني أحد عشاق الغلمان المخلدين والحور العين، وقال أيضاً أنه يريد أن ينزلني المنزلة التي تليق بي! ودع عنك التهديد المبطن في ثنايا هذا القول، فأقول له اني زاهد في المراتب والمقامات وأشكر له عرضه السخي.. وقال أنه يضمن ألا يقيم على حد الردة وأنا في بلاد الغرب وهذه لا فضل له فيها، فالغرب يحكمه القانون ولو دامت دولتكم أو طبقت شريعتكم لما كان هناك حوار ولا إنترنت، وإنما هو ذبح بالسيوف وجلد بالسياط ورجم بالأحجار واستئصال بمباضع الجراحين.. وسأل إن كانت أمي وأبي سيفاخرون بي في المجالس فهل هذا مما يغير من الأمر شيئاً؟ وأنت تعلم أن أبا إبراهيم الخليل كان يبغضه ويحاربه فهل يعني ذلك أن إبراهيم كان على باطل؟ وهل هذا معيارك في معرفة الحق؟
سؤاله الثاني: قال أنه يحتاج هذا السؤال كي يكون فكرة عن طريقة تفكيري وهذا ليس من العدل، فأنا لم أطلب منه مثلاً أن يدلني على طريقة تفكيره! ولتكن طريقة تفكيري ما تكون فمن الذي جعل هذا شرطاً للحوار؟ ومع ذلك فقد أجاب عن السؤال بنفسه قائلاً أنه سيسهل على الإجابة إذ أنه يعرفها، فلن أكررها اختصاراً للوقت. وهو كباحثٍ شرعي ملزمٌ أكثر من غيره بإقامة الحجة على الناس من يهود ونصارى ومجوس وعباد بقر وملحدين ولا أدريين، فليعدني أياً من هؤلاء وليجب على أسئلتي مشكوراً...
وساق مثالاً غريباً عن الكافرين الذين لن يؤمنوا مهما سقت لهم من البينات وشبّهنا بهم فأقول: أنت لم تسق بعد أي حجج أو بينات فكان الأولى بك أن تسوقها أولاً ولا تتسرع في الحكم علينا.. وأما استشهاده بالآية فهو أغرب فالله يقول أن هؤلاء الكافرين لن يؤمنوا لأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، وهاهو الله يصرح بأنه هو السبب في ضلالهم فلم تلومهم وهم ضحايا إلهٍ يبغض بعضاً من عباده ويحول بينهم وبين الإيمان كي يتلذذ بتعذيبهم في النار؟ فهلا وجهت لومك إلى من يستحق اللوم بدلاً من توجيهه إلى من لا حيلة له؟ وهذا موضع مناسب لطرح سؤال جديد وهو:
"
كيف يختم الله على قلوب بعضٍ من عباده وعلى اسماعهم ويجعل على أبصارهم غشاوة ثم يتوقع منهم أن يؤمنوا به؟ بل ويتمادى في العبث فيرسل إليهم الرسل وهو يعلم يقيناً أنهم لن يستطيعوا الإيمان حتى ولو أرادوه؟" .. وهذا هو
سؤالي السادس عشر كيلا نخطىء العد.
وقال أن الله أمر الرسول مع ذلك أن يقيم عليهم الحجة، وفضلاً عن العبثية الواضحة في هذا المسعى فاني أسأله سؤالاً آخر: "
لماذا أهمل الله أهل الهند والسند والصين واليابان وأمريكا اللاتينية وأوروبا وسكان أفريقيا واستراليا؟ ولمَ لمْ يرسل إليهم رسلاً وهم عامة سكان أهل الأرض؟ ولماذا اختار أن يرسل عشرات أو مئات الرسل في منطقة صغيرة من الأرض لم يجاوز عدد سكانها عشر سكان الأرض؟" وهذا هو
سؤالي السابع عشر كيلا نخطىء العد.
وسؤال آخر:"قال الله (
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) فلماذا لم يرسل لهؤلاء الأقوام رسلاً بلسانهم خاصة وأن الاسلام إعجازه بلاغي أي أنه يعتمد على اللغة بالدرجة الأولى؟" وهذا هو سؤالي الثامن عشر كيلا نخطىء العد.
وسؤال آخر: "قال الله (
ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين) فهو هنا يقر بأنه إذا أنزل القرآن بلغة أعجمية فلن يؤمن به العرب إذ سيعجزون عن فهمه فلماذا يناقض نفسه ويطلب من غالبية أهل الأرض الذين لا يتكلمون العربية أن يؤمنوا بقرآن بغير لغتهم؟" ... وهذا هو
سؤالي التاسع عشر كيلا نخطىء العد.
وقال باحثنا أنه سيدافع عن حقي في دخول جهنم وأشكر له ذلك جزيل الشكر وكل ما أرجوه منه أن لا يعجل ذلك بفتوى يصدرها لأحد أتباعه المتحمسين، وأما أنا فسأدافع عن حقه في دخول الجنة والتمتع بكل الحور العين بل والتمتع بالغلمان المخلدين الذين إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً.
سؤاله الثالث: أراد أن يعرف ما إذا كنت سأتوب عن ترهاتي إن هو أجاب على أسئلتي! وهاهو يصف أسئلتي بالترهات وهذا ليس من أدب الحوار، فهو ما لم يبين أنها ترهات فهي في فهمي أسئلة مشروعة، وحتى تاريخ إجابته عليها فلا يحق له استباق الأحداث إلا إذا كان يلتمس حجة لكي ينسحب من هذا الحوار. وجوابي هو: أجب عن الأسئلة بطريقة مقنعة وبدون شتائم وبدون (لا نعلم الحكمة، ونسلم به تسليماً، وهذه من خصوصيات الرسول) وغيرها من حيل الفقهاء المصممة أساساً للتهرب من الأسئلة الصعبة وعندها سأقر لك بما تشاء وسأكسر قلمي وقد أنقلب داعيةً سلفياً أو مهرجاً اخوانياً أو حتى باحثاً شرعياً في جامعةٍ غربية.
سؤاله الرابع: اتهمني بليي أعناق النصوص إذا كان فيها مخالفة للغطي وسفهي، وهذا أيضاً ليس من أدب الحوار فإلى أن ترد على أسئلتي فلا حق لك أن تتهمني باللغط والسفه ... وسأل إن كنت أجعل نفسي نداً لإبراهيم الخليل لأني استشهدت بقول من أقواله وأجيبه أن لا.. لا أجعل نفسي نداً لإبراهيم، فأين أنا ممن ألقى طفلاً رضيعاً وأمه الجارية في صحراءَ قاحلة إرضاءً لغيرة امرأةٍ حرة لا تطيق الجارية ولا ابنها؟ وأين أنا ممن كاد يذبح ابناً له من صلبه لمنامٍ رآه أو لوسوسة من امرأةٍ حرة لا تطيق الجواري ولا أبناء الجواري؟ وأين أنا ممن يكلم جبريل شخصياً ويتخذه الله خليلاً ثم لا يطمئن قلبه حتى يرى الله وهو يحي الموتى؟
وقال اني أصدر الأحكام جزافاً ووقع في نفس الفخ إذ ادعى اني نسبت جميع من ينتسب إلى هذا الدين من بعيد أو من قريب الى الظلامية، وأنا لم أقل هذا وأرجوه أن يدلني على مكانه في مقالاتي. كما قال اني ألعن دين الله صباح مساء وهذا غير صحيح فأنا لم ألعن الدين ولا حاجة لي بذلك، وقد قلت اني مهتم بدراسة الأديان من زاوية نقدية ولكنه يأبى إلا أن أنضم لجوقة التطبيل والمديح الدينية حتى يرضى عني وهذا ما لن يحدث.
أما عن حقه في نقد الساسة الغربيين فهو ما لا أنكره عليه بل وأحثه عليه وأشكره له، وأشكر له كذلك غيرته على إخواننا من الفلسطينيين والعراقيين وهم يذبحون بأسلحةٍ امريكية وأموال انجليزية، وكان الأولى به أن يتساءل (أو يسأل) عمن جعل أصحاب هذه الأموال التي تقتل اخواننا يغيرون موقفهم من الأمة الاسلامية وينشئون لأبنائها جامعاتٍ إسلامية يعملون فيها ويدرسون..
وإذا كان قد فاتني انه أثنى على المشروع الحضاري الغربي في مقالاتٍ سابقة له فإني أعتذر له عن ذلك بعدم احاطتي بكل ما كتب وأعده بالتريث مستقبلاً حتى لا أصدر حكماً مجحفاً في حقه أو حق غيره.
ثم تعرض لبعض الأخطاء اللغوية في مقالاتي واعترفَ بأن مقالاتي قد حوت بعض الأخطاء وإن على قلة وهذا حسبي فلم أدع أني من فطاحل اللغة العربية، وأقبل تصحيحاته لي بكل سعة صدر وأشكره عليها وأضيفها إلى ما تعلمته وما سأتعلمه، وأذكره بأن له أخطاء في مقاله كقوله "في دائرة معاركه وشتائمه وسبابه الذي لم يسلم منها أحد" وكان أولى به أن يقول "التي لم يسلم منها أحد" ان كان يقصد الدائرة أو يقول "الذي لم يسلم منه أحد" ان كان يقصد السباب.
ولعله يجد لي العذر إذ ان أخطائي ليست فاحشة من قبيل رفع اسم إن كما في قوله "
ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الاخر
" أو قوله "
لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك والمقيمين الصلاة
" بدلاً من عطفها على "الراسخون"، أو قوله "
وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما
" بدلاً من اقتتلا كما تدل أبسط قواعد اللغة العربية...
وها أنا قد أجبت عن أسئلته كما طلب وأستنجزه وعده بالرد على جميع ما أثرته من شبهات ونرجو ألا يطول
انتظارنا، وبهذا تكتمل عدة أسئلتنا تسعة عشر تتطلع إلى الباحثين والأفاضل والفرسان المغاوير وتبحث عن
إجابات شافية...
وأعتذر لأعزائي القراء عن الإطالة وأستودعكم عقولكم حتى لقاءٍ آخر إن كان في العمر بقية...