حرب طواحين الهواء
حكيم الليبي


ترى ما الذي يجمع بين باحثٍ شرعي في ليستر، ودكتورٍ فاضلٍ في إيلينوي، وفارس بني عكار المغوار؟ لا أظن الإجابة تخفي على القارىء اللبيب، فما يجمع بينهم وبين العشرات بل المئات من أمثالهم هو أنهم جميعاً يقيمون في الغرب.. نفس الغرب الكافر الذي يلعنونه صباح مساء!! فهل من قبيل المصادفة أن يعيش نصف هؤلاء في الغرب ونصفهم الآخر متحالفاً مع الحكام والطواغيت؟

يجمع بينهم أيضاً نكران الجميل، فقد جاؤا لاجئين هاربين فأكلوا من جوع وأمنوا من خوف وعملوا بعد بطالة، وجهروا بآرائهم بعد أن كاد الخرس يقتلهم في أوطانهم. نحن بالطبع لا نريد منهم أن يبدلوا جلودهم بجلود غربية لمجرد أن استضافهم الغرب، ولكن قليلاً من الحياء أيها السادة..

ما يجمع بينهم أيضاً هو عدم الإنصاف، فهم لم يروا قيم الحق والعدل وإغاثة الملهوف واحترام عقائد الآخرين، وتأمين الناس على أرواحهم وأموالهم، والوفاء بالعهد، لم يروا في كل هذه القيم مشروعاً حضارياً طيباً يستحق الثناء ويستحق أن يساهم فيه الإنسان بجهده وقلمه لإصلاح أخطائه.. كل ما رآه الباحثون هو ماخور كبير يتبادل الناس فيه اللواط والسحاق وترتكب فيه الشرور وتراق فيه الخمور..

وعيوب الحضارة الغربية لا تخفى عن اللبيب ولا ينكرها ذو بصر، ومزاياها كذلك، فزواج المثليين يعارضه نسبة كبيرة من المحافظين، والفحش في وسائل الإعلام ينزعج له الآباء والأمهات وأحسبكم جميعاً تتذكرون حادثة المغنية جانيت جاكسون في نهائي كرة القدم العام الماضي، وكيف انتهت بفرض غرامة مالية كبيرة على المحطة التي نقلت العرض! فهل يدلنا السادة الكرام على محطة عربية إسلامية ضربت عليها غرامة لما تبثه من فحش وفجور؟ اللهم لا! بل إن محطة كمحطة ART مثلاً تبث جنباً إلى جنب أغاني نانسي عجرم ومواعظ أسبوعية للداعية الزاني أحمد الفيشاوي.

مشكلة هؤلاء أنهم يتبنون مشروعاً حضارياً مفلساً تماماً، مشروع انهار بفعل أمراضه المزمنة والتي ليس أقلها إهانة المرأة وتحقيرها، وتفضيل الأحرار على العبيد، وتشريعه للطبقية والاستبداد، مشروع طوته القرون ونبذه أبناؤه قبل أن ينبذه الآخرون، واحتضر في عقر داره ومضى غير مأسوف عليه،... يحاول هؤلاء اليوم بعث هذا الورم الخبيث إلى الحياة مرة أخرى، ويدافعون عن اغتصاب الاطفال وقتلهم، وسبي النساء واسترقاق البشر والتمييز البغيض بين الناس على أساس دينهم، بينما ينعمون هم بإقامة شعائرهم في دول غربية علمانية آمنين مطمئنين..

أصحاب هذا المشروع لا يعرفون أبجديات الحضارة، وآليات المجتمع المدني.. فهم لا يعرفون إلا درة عمر! فمن لا يعجبك صنيعه فما عليك إلا باجباره على ما تراه وان اضطررت إلى قتله مأجوراً.. فأنت لا تستطيع في المجتمع المدني أن تنفي رجلاً من وطنه لأن امرأةً قالت فيه شعراً كما فعل عمر بن الخطاب مع نصر بن الحجاج، ولن تستطيع أن تقتل امرأة ترضع أولادها لأنها قالت شعراً كما حدث لعصماء بنت مروان..

أكتب هذا المقال بمناسبة مقال قرأته بعنوان "الحرب الخفية" للأخ "خالد الورشفاني" الباحث في الدراسات الإسلامية في جامعة لفبرا بمدينة ليستر ببريطانيا. وأول ما يتبادر إلى الذهن هو: لماذا تنشىء دولة غربية صليبية جامعة للدراسات الإسلامية أو تسمح بإنشائها؟ هل هدفها نشر الإسلام مثلاً أم توضيح الشبهات التي تثار حوله؟ وما الذي يدعو باحثنا إلى العمل في مثل هذه الجامعة؟ أليس الاولى به أن يبتعد عن الشبهات؟

بدأ باحثنا بالإشارة الي التزامن بين الحرب الفكرية والحرب العسكرية مستخدماً أسلوباً إقصائياً فجاً يعمد إلى تصوير من يخالفه في الرأي بأنه جزء من حملة منظمة ضد الأمة وهويتها بدون أن يأتي بدليل على ذلك سوى أوهام عقله المسكون بالمؤامرات وهذه طريقتهم منذ الأزل في اقصاء المخالفين فهذا عدو الله وهذا عدو رسوله وهذا عدو أمير المؤمنين وهلم جراً..

وساق قضية تحويل القبلة مثالاً وقال أن سفهاء اليهود اعترضوا فرد الله عليهم وأخرس ألسنتهم، فدعونا نتأمل قليلاً هذه القضية: لما بعث الرسول أمر أتباعه بالصلاة إلى بيت المقدس التي لم يكن فيها مسجد آنذاك ولم يأمرهم بالصلاة إلى الكعبة أول بيت وضع للناس والتي تدخل الله شخصياً لحمايتها قبل عدة عقود من هجوم أبرهة! ظل الحال كذلك ثلاث عشرة سنة في مكة وسبعة عشر شهراً في المدينة، ثم جاء الامر بالتوجه إلى مكة التي لم يصل المسلمون إليها حتى عندما كانوا فيها، فتساءل البعض عن سبب هذا التغيير، وهذا سؤال مشروع، فالناس لا يغيرون قبلتهم بعد خمس عشرة سنة بدون سبب! فهل من السفاهة أن يتساءل الإنسان؟ ما الذي تغير في بيت المقدس مما يجعله يفقد جدارته بكونه قبلة للمسلمين؟ وما الذي تغير في مكة! فهي لا زالت مليئة بالأصنام كالعهد بها! أو ما كان الأجدر به أن يجيب على التساؤلات بدلاً عن تسفيه أصحابها؟

ثم لننظر إلى الإجابة التي زعم الباحث أنها "أخرست ألسنتهم" : الإجابة هي (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب...) .. فهل هذه إجابة أصلاً حتى تكون مفحمة؟ فلم يجادل أحد من اليهود ولا من المسلمين في أن المشرق والمغرب لله، وإنما كان السؤال: لماذا غيرتم قبلتكم بعد خمس عشرة سنة؟ وإذا كانت ردود أصحابنا المفحمة من هذا القبيل فأبشر بطول سلامة يا مربع! والإجابة البسيطة السهلة هي أن الرسول حاول استمالة اليهود بالصلاة إلى قبلتهم فلما يأس منهم عدل عن رأيه بخصوص القبلة واتجه إلى بيت إبراهيم الملىء بالأصنام.. إنها السياسة يا سادة..

ولعلنا نضيف هذا السؤال إلى قائمة أسئلتنا الشهيرة فيصبح هذا السؤال الرابع عشر لكي لا نخطىء العد.

كما قال أن كثيراً من المضلين حاول إحراج الرسول بالأسئلة العويصة المعقدة وقال أنها ارتدت إلى صدور أصحابها، ولم يسق لنا أمثلة! ودعني هنا ألعب دور الباحث وأسوق أمثلة: فعندما سئل الرسول عن الروح أجاب (قل الروح من أمر ربي) وهذا ما لم يجادل فيه أحد ولا يعد إجابةً بحال، وعندما سئل عن عدة أهل الكهف قال (قل ربي أعلم بعدتهم) وهذا أيضاً تحصيل حاصل فلم يجادل فيه أحد يهودياً كان أم مسلماً في أن الله أعلم بعدتهم، وعندما سئل عن الأهلة قال (قل هي مواقيت للناس والحج) وهذا معلوم للعرب فهم كانوا يعتمدونها أساساً لتقويمهم وانما سألوه عن طبيعتها لزعمه الاتصال بخالقها، والأمثلة كثيرة على مثل هذه الإجابات "المفحمة" ونتجاوزها لضيق المجال..

ومضى يصف الناس بأنهم يتلقون الشبهات من أسيادهم الغربيين وأنهم عبيد للغرب، والعبد هو من تنازل عن عقله وباعه لتجار النصوص المقدسة مسخراً نفسه للدفاع عنها بالحق والباطل، والعبد كذلك هو من يرى له أسياداً من الموتى يجاوزون الآلاف عداً ولا يصدر أو يورد إلا بعد أن ينزل على مشورتهم ويقدم رأيهم على عقله وتفكيره، فلعل القراء يعرفون الآن من هو العبد ومن هو الحر...

ثم تساءل الباحث عن الأسباب التي تدعو السفهاء إلى ترويج الشبهات فزعم في النقطة الثامنة أن منها "التعصب المسيحي واليهودي" فإذا كان التعصب يقود هذه الدول إلى إنشاء جامعات إسلامية يعمل فيها دعاة وباحثون شرعيون، فكيف يكون التسامح إذن؟ قارن هذا بما يسمى بالوثيقة العمرية وانظر كيف يعامل المسلمون أهل الذمة في أوطانهم وتأمل...

وقال في النقطة التاسعة أن "الإسلام قد بدأ يفرض نفسه كدين قادر على حل مشاكل البشر" ولا أدري أين حدث ذلك وأهله جميعاً مشردون في بقاع الارض لاجئين لدى الدول الغربية العلمانية؟ ولعل هذه الحلول قد طرحت في جبال تورا بورا أو في دار فور.. يقول باحثنا هذا بكل ثقة وهو نفسه يعيش ويعمل في الغرب فتأمل عزيزي القارىء هذا المنطق المعكوس... وفي بيانه لأصناف الناس حيال الشبهات قال أن الصنف الثاني هو جهلة المسلمين وقال أن واجبهم هو سؤال أهل العلم فإنما شفاء العي السؤال.. ويقول مثلنا الليبي (اللي يعطيك حبل كتفه بيه) ، وبما أنه من أهل البحث والعلم فلعله يحسبنا والقراء من اهل الجهالة ويتفضل بإجابة أسئلتنا أو شبهاتنا إن شاء، ويعلم فضيلته أن أسئلتنا الآن بلغت أربعة عشر، وأنتهز فرصة أن أدلى باحثنا الشرعي بدلوه في هذا السجال المبارك وأضيف إليها سؤالاً:

السؤال الخامس عشر: هب أن دولة إسلامية قامت في ليبيا وتريد تطبيق الشريعة وسئلت أنت باعتبارك باحثاً عن قيمة دية المرأة، فهل ستقول أنها نصف دية الرجل كما تقول المذاهب الأربعة ؟ أم تراك ستستدرك على ربك كما يفعل القرضاوي وغيره من المحرجين؟ http://www.islamonline.net/Arabic/news/2004-12/23/article04.shtml

وبهذا السؤال أعزائي القراء يصبح لدينا خمسة عشر سؤالاً تنتظر الإجابة من الباحثين الشرعيين والدكاترة الأفاضل والفرسان المغاوير ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مشكلة هؤلاء الباحثين أنهم لا يبحثون عن شيء، فكل ما قد يصل إليه البحث معلوم لديهم سلفاً منذ أربعة عشر قرناً، وإذا ما أرادوا البحث عن مسألة من مسائل هذا العصر فإنما هم يقلبون ركام كتبهم الصفراء وحواشيها، علهم يجدون ميتاً من موتى التاريخ قد أدلى فيها بدلوه أو علق عليها بحاشية، أو تناوشها ولو من مكان بعيد فيخرجون به على الناس مسرورين وينعون على الناس جهلهم بالشريعة وأصول البحث...

باحثونا هؤلاء فرسان بلا معركة، يعيشون في الزمن الخطأ، ويشهرون سيوفهم الخشبية ورماحهم الورقية في مواجهة طواحين الهواء، ويقتاتون على العويل والتهويل، فهذا حاقد على تراث الأمة، وذاك غادر بهويتها، وذاك متربص بها وهلم جراً..

وأنت عزيزي القارىء لن تستطيع بحال أن تقبل منطقهم، ولا أن تهضم مشروعهم المفلس إلا أن تنزع عقلك نزعاً، وتغسل دماغك من أي أثر للتفكير، عندها فقط ستصبح قانعاً راضياً كباحثنا، مطمئناً ومدافعاً عن قتل الأطفال واغتصابهم كفارسنا، آكلاً شارباً نائماً في الغرب ولاعناً له كفاضلنا، وعندها فقط ستتمكن من استحضار الأرواح وتطمئن أنك من أهل الفلاح، عندها فقط ستذوق حلاوة الإيمان...