أشكر للأخ الكريم عبد الرحمن القحفلي رده المهذب على مقالي، وأغفر للأخ صلاح عبد العزيز نعته إياي بأني من أهل الشقاوة، كما أشكر للأخت الفاضلة غيداء الباجقني أمنياتها لي بالهداية والشفاء، وأضرب صفحاً عمن قال أني مصري قبطي، فلعمري إن من ولد في "شارع بلخير" ولعب في "جنان النوار"، وأكل "السفنز" ونصب "الطربيقة للزرازير"، وأسقط الحمام "بالفليتـشة"، ولعب "البطش" صغيراً لهو ليبي أباً عن جد، وأما اتهامهم لي بأني قبطي فتلك أمانيهم، أما أنا فمعاذ الحق أن أتبع خرافة أو أن أبيع عقلي في سوق النخاسة قبطياً كان أم إسلامياً.
ويحز في نفسي أن يصورني البعض بأني استهزىء بالمقدسات، وذلك ما لا حاجة لي به، وإنما هدفي كباحث أن أدرس الدين من ناحية نقدية، غيرَ عابىءِ بخطوط حَمراء ولا زرقاء ما لم أعلم من رسم هذه الخطوط، ومن أعطاه هذا السلطان على عقلي وتفكيري.
وغاية مرادي أن يصل القارىء إلى أن يحطم أصنامه، ويُعْمل عقله في ما يطرح عليه، قرآناً كان أم حديثاً، فقهاً كان أم تاريخاً، فيقبل ما وافق عقله ويطرح ما عدا ذلك، ويحطم جدار الخوف، وحري بمن يدعي أن دينه دين العقل أن يرضى بالاحتكام إلى العقل، وبمن يزعم أن دينه يأمره بالتدبر ألا يلعن من يتدبر.
وها أنتم ترون أني لم ولن أغضب حتى ممن شتمني فما بالك بمن حاورني، ولمن شاء أن يرد على بما شاء، فالحوار هو السبيل، والحُكم للقارىء الكريم، ولا تسْـتَعدُوا الأستاذ إبراهيم اغنيوة فهو ينشر لكم وينشر لي، وكل مقالة أكتبها تردون عليها بعشر، ففيم غضبكم؟ ولماذا تريدون تكميم الأفواه؟
وسأحاول في هذا المقال أن أرد على معظم ما كُتب رداً على مقالتي متجاوزاً ما كان من سباب وشتائم، فأقول مستعيناً ومتوكلاً:
رغم تأكيد معظمهم (من كتبوا الردود) بأني أفتقر إلى منهج البحث العلمي، فإن الحظ لم يسعفهم بردٍ واحدٍ مقنع على ما كتبت، ولم يجروء أحدهم على نفي هذه الوقائع وهم يعلمون يقيناً أنها صحيحة وموثقة بالقرآن نفسه، وما صح من الحديث، فراحوا يهاجمون فهمي لها ونزعي لها من سياقها التاريخي والإجتماعي، ولا أدري في أي سياق اجتماعي أو تاريخي يكون قتل أطفال في العاشرة بجريمة ظهور الشعر في عاناتهم جائزاً بل وأمراً ربانياً؟ وفي أي سياق تنكح امرأة قتل أبوها وأخوها وزوجها في نفس اليوم بدون استبراء رحمها؟ وفي أي سياق يُباح الزنا (زواج المتعة) متى دعت الحاجة في الحروب، ثم يحرم ثم يباح ثم يحرم؟ فهل نشم رائحة ميكيافللية يا سادة؟ أم هي الأخلاق النسبية؟ أم هي البراغماتية؟
وقد نفهم أن يتدرج الإسلام في تحريم الرقيق، ولكنه لم يحرمه مطلقاً رغم قوله
(اليوم أتممت لكم دينكم) وزعمه أنه الشريعة الخاتمة، ثم قل لي بالله عليك، هل تعلم أن الرسول والصحابة هاجروا فقراء معدمين، وماتوا يمتلكون عبيداً وإماءً، فهلا ضربوا المثل بأنفسهم، أم تراك تفهم دين الله أكثر منهم؟
ثم خذ هذا الحديث من صحيح مسلم
(كان جرير بن عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة) وأبق بمعنى هرب، ثم قل لي: لماذا لا يقبل الله صلاة العبد إذا هرب طلباً لحريته؟ أين يقف الله في صراع الحرية أيها السادة؟ أم أين يقف الرسول؟ أنه يقف في صف السادة الإقطاعيين ولا شك، فهاهو شرعكم لم يكتف بعدم تحرير العبيد بل وضع الله مباشرة ضد من يهرب ليسترد حريته في مواجهة أبشع نظام في التاريخ هو الاسترقاق؟ هل هذا شرعٌ يريد أن يلغي الرق؟ أم أن يؤصِّل له ويشرعنه؟ وأترك موضوع الرق لأني أُعد فيه دراسة تفصيلية سأعرضها قريباً على القراء الكرام أثبت فيها زيف ادعاءاتهم وتهافتها.
ثم زعم أخونا عبدالرحمن القحفلي أن زواج عائشة أفرحها وأفرح أباها، وهذا لعمري من تخرصاته، فكيف عرف ذلك؟ والتاريخ يحدثنا عن أبي بكر أنه اعتذر عن هذا الزواج مرتين: مرة بخطبة عائشة لابن المطعم بن عدي وأخرى عندما قال لخولة بنت حكيم (
وهل تصلح له وهي ابنة أخيه؟ فقال الرسول: أنا أخوه وهو أخي وابنته تصلح لي)، فها هو أبو بكر يتمنع مرتين والرسول يصر على الزواج فتأمل.
وأما قوله أن عائشة فرحت بهذا الزواج فلا أدري من أين أتى به إلا أن تكون روح عائشة قد التقت روح أخينا صلاح عبد العزيز في فضاءٍ كوني فأخبرته، ثم التقت روح كاتبنا بروح صلاح فأخبرته، وهذا إسناد فيه انقطاع حسب قول أهل الحديث، ولمن لم يفهم فإن لأخينا صلاح عبد العزيز تجارب في تحضير أرواح الأنبياء فقد نجح في التقاء روحِ سيدنا يوسف فكيف بعائشة أم المؤمنين؟
ثم قل لي بربك: إذا كانت الطفلة ذات التسع لا تكلف بصلاة
(واضربوهم في عشر) فكيف تكلف بأداء الواجبات الزوجية الجنسية؟ هذه واحدة..
ثم عرج صاحبنا على حادثة الإفك، وليته ما فعل، وأكتفي بسؤاله سؤالاً واحداً، أتحداه أن يجيب عليه: "
إذا كان الرسول يثق في براءة عائشة كما تثق أنت اليوم، فلم أعرض عنها وأرسلها إلى بيت أبيها؟" ألا يجدر بمن قارب الستين أن يطمئن هذه الفتاة البائسة ويطيب خاطرها في محنة كهذه؟ فماذا تشعرين يا سيدتي غيداء الباجقني إذا اتهمك أحدهم زوراً وبهتاناً بالزنا ولجأتِ إلى زوجك فإذا به يعرض عنك ويرسلك إلى بيت أبيك؟ فهل هذا سلوكُ زوجٍ يثقُ بزوجته؟ وهذه ثانية...
ثم اختلط الأمر على كاتبنا وراح ينسبني إلى العقل الغربي، ولا أدري ما دخل الغرب في هذا الموضوع، وكأن اغتصاب القاصرات وقتل الأطفال بجريرة إنبات شعر العانة هو مما ينكره العقل الغربي فقط أما العقل الشرقي فيقبله مستبشراً؟
ثم عرج على حقوق الإنسان، وانظر ماذا قال:
(لأننا نسلم بعجزنا وقصر نظرنا إذا جاء التوجيه الرباني .... ولا نقبل المزايدة على خيار المولى مهما بدا لك أنها تمييز وعدم مساواة... ونقبله إيماناً وتسليماً...) فهاهو يعترف بعجز عقله عن الفهم وعن التفسير كما يسلم بأن في هذا الأمر تمييز وعدم مساواة، وأنه يسلم تسليماً وليت شعري ألا يخطر بباله أن التمييز وعدم المساواة ظلم وأن الظلم يستحيل في حق الخالق، فإذا كان هذا كلام من يحمل القلم ويتصدى للرد فكيف بحال من دونه؟
ثم عرج على الغزوات الإسلامية الاستيطانية مدافعاً عنها، وهو يتفق معنا ولا شك بأن الهداة استوطنوا الأرض التي فتحوها بحجة هداية أصحابها، ويتفق معنا بأنهم أخذوا السبيايا والرقيق، ويتفق معنا بأنهم ساقوا الجزية والخراج إلى عاصمة دار الخلافة، ويتفق معنا بأن أهل هذه البلاد ماكان لهم أن يحكموا أنفسهم حتى وإن أسلموا، فإذا لم يكن هذا استعماراً استيطانياً فلا أدري ما يكون.
أما عن السلوك الإنساني الحضاري للهداة الفاتحين فيكفيني أن أنقل لك هذه الحادثة من كتاب البداية والنهاية لابن كثير
(..... فاجتمعوا بمكان يدعى أليس .. وقال خالد : اللهم لك على إن منحتنا أكتافهم ألا استبقى منهم أحداً، حتى أُجرِى نهرهم بدمائهم. ثم إن الله منح المسلمين أكتافهم فنادى منادي خالد: الأسر الأسر ..لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر.. فأقبلت الخيول بهم أفواجاً يساقون سوقاً ، ووكل بهم رجال يضربون أعناقهم في النهر. ففعل ذلك بهم يوماً وليلة ، ثم يطلبهم في الغد ، وكلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر. وكان قد صرف ماء النهر إلى وضع آخر. فقال بعض الأمراء: إن النهر لا يجري بدمائهم حتى ترسل الماء فيجري بها فتبر بيمينك . فأرسله فسال النهر دماً عبيطاً فسمي نهر الدم إلى اليوم ، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما يكفي المعسكر بكماله ثلاثة أيام ، وبلغ عدد القتلى السبعين ألفاً")
فهذا الصحابي الجليل يفعل ذلك، ومن حوله من الصحابة ينصحونه باجراء النهر حتى يبر يمينه ولم يهتموا للبشر الذين جاءوا لهدايتهم أن يعرضوا عليهم الإسلام على الأقل وصدق المثل (يتعففوا ع الإيباري ويبلعوا ف المخايط)، ولعلي أترك لأحد إخواننا الأمازيغ أن يحمل قلمه ويحدثنا عما ارتكبه الصحابي الجليل عقبة بن نافع في أهل وطننا الأمازيغ. أقول هذا ولست بأمازيغيٍ على الرغم من أن ذلك يشرفني علم الله.
ثم قال إن شريعة القتل والاسترقاق والنهب كانت دفاعاً عن الوجود فهل هاجمك الأقباط أم الأمازيغ أم الفرس أم الروم أم الأسبان أم أهل السند والهند حتى تحتج بالدفاع عن النفس؟
ثم تخبط وتلجلج محاولاً تفسير قصة زينب التي لم يعد للسماء شأن إلا زواجها وطلاقها، ولو سلمتُ له بكل ما قاله عن رضا زينب وزيد عن هذا الأمر فكيف يبرر أنها تزوجت، كصفية، بدون استبراء رحمها؟
(1) وهذه ثالثة...
ثم راح يبرر جريمة قتل الأطفال بجريمة أخرى هي قتل الخضر للغلام وهي جريمة سأتعرض لها في مقالٍ آخر لأهدم أركان منطقها المتضارب وحكمتها المزعومة،وهو في هذا يوافق فارس بني عكّار في تبريره لجريمة اغتصاب بجريمة زنا فبئس رأي القائلين.
ثم قال أن زعماء الغرب يفدون زرافات ووحداناً على خيمة القذافي ونسي في غمرةِ حماستهِ أن يذكر شيخ الإسلام القرضاوي قدس الله سره وحجة الله العمودي فك الله أسره وردَّ عليه حقيبته
(2). وأما عن جرائم دارفور فعلمي أنها ارتكبها مسلمون جنجاويد فكانوا خير خلف لخير سلف.
وأعتذر للقراء الكرام عن الإطالة وأستودعكم عقولكم حتى لقاء آخر إن كان في العمر بقية...
(1) ثبت لي لاحقاً أن هذه القصة (قصة زينب) غير صحيحة بنص حديث من مسند أحمد بن حنبل وتراجعت عنها في مقال "تلاشي الأوهام وتهاوي الأصنام".
(2) هذه الحقيبة المليئة بالدولارات استلمها الداعية العمودي من أزلام القذافي مقابل خدمات غير معلومة، وقد تداولت وكالات الأنباء أخباراً عن كونها ثمناً لتجنيده عملاء لقتل ولي عهد السعودية (ملكها الآن)