سالم بن عمار - فارس بني عكار
حكيم الليبي
قديماً قيل، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وقد كنت عزمت على عدم الرد على أي مقال لا يحمل رداً علمياً على ما ذكرته في مقالة "آية الله الفاضلي"، وبالفعل تجاهلت عدة مقالات لأني لم أجد فيها رداً يستند إلى علم أو أثارةٍ منه، بل إن أحدهم أعلن مشكوراً أنه لن يرد على وأنه يهيب بأهل العلم وأصحاب الأقلام وغيرهم الرد على ما طرحته من حقائق موثقة من القرآن وكتب الحديث والتاريخ الإسلامي كالطبري وابن كثير وابن الأثير وغيرهم، قبل أن يولد المستشرقون بعدة قرون، فقلت لنفسي: هذا امرؤٌ قد عرف قدر نفسه والضرب في الميت حرام.
ومن بين ما لا يقل عن عشرين حقيقة موثقة ذكرتها في مقالي لم يستطع فارس بني عكار أن يرد إلا على واحدة منها، وليته أفلح في ذلك، بل هو كلما قام انتكس وصار كما قال الشاعر "بُـدِّلَ بالبازي غُرَابٌ أَبقعُ".
وإذا كان لابد مما ليس منه بد فلننظر إلى ما نسميه تجاوزاً، رد فارس بني عكار:
احتج علينا فارس بني عكار بأن قريشاً لم تنكر على النبي زواجه من عائشة، وهو في هذا مخطىء من عدة وجوه: أولها أن التاريخ يكتبه المنتصر، وأن قريشاً حتى لو كتبت أو قالت في ذلك شعراً لما كان بلغنا، ولعلك تذكر أن الرسول أمر بقتل كل من هجاه رجلاُ كان أم امرأة، شيخاً كان أم كهلاً، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، والمثل الليبي يقول "قالوا للخانب إحلف قال جاك الفرج".
وثانيها: كنا نظن أن الإسلام جاء ليغير عادات الجاهلية البالية لا أن يجاريهم فيها، فحتى لو كان زواج الأطفال متعارفاً عليه عندهم فما كان للإسلام أن يقرهم على هذه البشاعات كما لم يقرهم على وأد البنات مثلاً.
ثالثها: أن الرسول لم يتردد أو يتدرج في نقض أعرافٍ حميدة متعارف عليها في الجاهلية كعادة عدم زواج الرجل من ابنه بالتبني، ويعلم العاقل أن الأبن المتبنّى يحتل مكانة الإبن وأن المرء ليأنف أن ينكح امرأة كانت زوجة لابنه، فلماذا لم يخالفهم في هذه أيضاً؟
ورابعها: أن المطعم بن عدي كان قد خطب عائشة لابنه (وليس لنفسه) ولم يوجد ما يدل على أن ابن المطعم بن عدي كان ينوي الزواج منها مباشرة والأرجح أن يكون خطبها ليتزوجها مستقبلاً كما هو معروف حتى في يومنا هذا عندما يقال فلانة محجوزة لفلان تيمناً وهما لم يخطوا خطواتهما الأولى.
ثم احتج علينا بأن كتب التاريخ (لاحظوا، ليس كتب الحديث) أجمعت أن عائشة بلغت المحيض حينئذٍ، ويبدوا أن الوحيد الذي شذ عن هذا الإجماع هو عائشة نفسها، لأنه من بين خمسة آلاف حديث روتها، كثير منها يتعلق بأدب الجماع وغير ذلك، لم يورد لنا فارس بني عكار حديثاً واحداً تقول فيه عن نفسها أنها بلغت المحيض ساعتئذ. بل كل ما التصق بذاكرتها الطفولية البريئة هو ذلك المشهد الذي نُزعت فيه من أرجوحتها وطُرِحَت فيه جميمتها وسيقت الى الفراش؟
وبافتراض أنها قد بلغت المحيض في سن مبكرة كالزنجيات اللائي أشار إليهن فارسُنا، فهل معنى هذا أنها كانت مستعدة نفسياً للجماع؟ فلم إذن تحرمُ المجتمعات الغربية الحديثة التي تحتج علينا بها الزواجَ قبل السادسة عشر أو الثامنة عشر؟
وأما المقال الذي أحالنا عليه في موقع مستشفى أمريكي، وهو باللغة الإنجليزية على أمل أن يُسَلّمَ القارىءُ بما فيه دون أن يقرأه، فهو يتحدث عن التوعية الجنسية للأطفال والسن المناسبة لتعريفهم بالتغيرات التي تطرأ على أجسادهم، وتقول الدكتورة كاتبة المقال في نهايته بالحرف الواحد:
I don't recommend you discuss the mechanics of sex, however, until they have reached a maturity level that you feel comfortable with, generally around 10 or 11 years old
وترجمته
(لا أنصح بمناقشة آليات الجنس معهم، أي الأطفال، حتى يبلغوا مستوىً من النضج تشعر له بالارتياح، عادة في سن العاشرة أو الحادية عشرةً).
فالمدلس الصغير لا يخبرنا أن الدكتورة كاتبة المقال، الذي ربما لم يقرأه وزوده به أحد الفرسان، لا تنصح حتى بمناقشة آليات الجنس مع الأطفال قبل العاشرة فضلاً عن ممارسة الجنس معهم، ويبدو أن أفضل طريقة لتوعية فتاة ذات تسعة أعوام عند فارسنا هي اختصار الأمر واغتصابها وكفى الله المؤمنين القتال، ولم يخبرنا أيضاً لم احتاج الى علم الغرب ولم يجد في خزانة إعجازه العلمي ما يغنيه.
وأما قوله أن الحكمة في زواجها صغيرة قد يكون لحكمة حفظها للأحاديث، فهو مما لايستحق الرد إلا معذرةً إلى قارئتي وقارئي الكريميْن، فأقول أن أبا هريرة الذي لم يتفق الرواة حتى على اسمه، صاحَبَ الرسول فترة لا تزيد عن العامين وقيل أكثر من ذلك، رَوَى أحاديث أكثر منها، ولم تكن المشكلة في أي وقت ضياع الحديث بل المشكلة هي كثرة الأحاديث مما حذا بالبخاري إلى نبذ ما يقارب من ستمائة ألف حديث. أما العلم الذي وجده الصحابة عند عائشة فليته يخبرنا هل كان هذا قبل أن يقتل بعضُهم بعضاً أم بعد ذلك؟ وهل قولها
"اقتلوا نعثلاً فقد كفر"
هو من هذا العلم؟ ونعثل هو لقب أطلقه الصحابة الكرام على عثمان بن عفان، ولعله كذلك يشرح لنا حديث رضاع الكبير وحديث القرآن الذي أكله الداجن وهما صحيحان.
ثم أتى بقاصمة الظهر، ولعلّي أحسبها له عثرة من عثرات القلم عندما احتج للرسول بفعل الزناة من أبناء المجتمعات الغربية حيث قال أنه كثيراً ما يحدث الزنا في المجتمعات الغربية مع بنات في سن العاشرة، ولم يخبرنا أن من يرتكبه يسجن بتهمة الإغتصاب والإعتداء على الأطفال (Rape, Child Abuse) ولم يحدث قط أن اعتذر عنهم أحد فمجتمعهم يعتبرهم مجرمين ويخضع الطفل إلى علاج نفسي. ثم هل إذا زنى شخص بطفلة في العاشرة أصبح جائزاً لك أن تفعل ذات الشيء؟
ثم اختار فارسنا أن يتجاوز عن باقي المقال بحجة أنه أوهى من خيوط العنكبوت (وهذا خطأ علمي بالمناسبة قد نتعرض له في حينه)، ولا أدري ِلمَ كَلف نفسه عناء الرد على شبهات هي أوهى من خيوط العنكبوت. وإذ تجاوز فارسُنا عن باقي مقالي فإني أتجاوز عن باقي مقاله وأنصرف إلى ما كنتُ أحاولُه ولنا معكم لقاء إن كان في العمر بقية...