ثقافة آية الله الفاضلي
حكيم الليبي



ذهلت وحق لي أن أذهل وأنا أطالع مقالاً خطته يد "الدكتور" فتحي الفاضلي قبل أيام في صفحة ليبيا وطننا بعنوان "فاستفتهم". مقال الدكتور يحوي كماً هائلاً من الشتائم والبذاءات المرصوصة في عدة وريقات تمتشق حسام الفضيلة وتلبس لبوسها ناسياً أو متناسياً الفضيلة التي شن الحرب باسمها.

اختار الدكتور العلمانيين والليبراليين غرضاً لهجومه، واستخدم كل ما في جعبته من فاحش القول وبذيء اللفظ دون أن يبين لنا، ولو من باب رفع الملام، أين ومتى حاور هؤلاء بالحسنى واللين الذين لا ينسى بين الفينة والأخرى أن يذكرنا بأنهما من ركائز ثقافته.

إذا كان لنا أن نصدق موقع الدكتور الفاضل على الإنترنت، ففضيلته حاصل على شهادة الماجستير من جامعة أوهايو وماجستير أخرى ودكتوراه من جامعة ميزوري في التربية !! والتعليم!!!!. وفضيلته يسبق اسمه بحرف "الدال" في مقالاته وعلى أغلفة كتبه ولا يجد حرجاً في أن يفخر بلقب علمي أسبغته عليه جامعات هذا المجتمع الذي نعت ثقافته بثقافة العهر واللواط والسحاق وتبادل الزوجات الخ...

واستثناء من كل مجتمعات الأرض، بما فيها الدول الإسلامية التي تزيد أو تنقص على الخمسين، لم يجد الدكتور بلداً يحط فيه الرحال ويجعله مقراً لإقامته ومربع طفولة أولاده وبناته إلا مجتمع العهر واللواط.. هل لأن هذا المجتمع أطعمك من جوع وآمنك من خوف كما فعل مع مئات الآلاف من المسلمين وغيرهم؟؟ أتحمل جنسية هذا البلد يا دكتور أم تراك رفضتها؟؟ هل أجبرك هذا المجتمع على جز مقدم رأسك، أم ألبسك زناراً، أم أمرك بكتمان شعائرك، أم فرض عليك الجزية أم ضرب عليك الخراج؟ هل منعك هذا المجتمع من أن تكتب، وتجهر بآرائك في كتب ومؤلفات، وأن تدعو لما تعتقده في خطب ومقالات، وتؤسس وأمثالك ماشئت من جمعيات؟

ألم تحسب هذا كله حسنة واحدة في ميزان هذا المجتمع ولو من باب الإنصاف قبل أن تشهر لسانك البتار؟ ألم تشعر بوخز في ضميرك جراء نكران الجميل؟ ألم تر نقطة واحدة مضيئة طوال سنوات أو عقود دراستك وعملك ومعيشتك؟ أهذه ثقافة الإنصاف التي تبشر بها؟

دعونا نلقي نظرة سريعة على ثقافة الدكتور التي يريد أن يفرضها على أبناء مجتمعنا الليبي في القرن الواحد والعشرين دون أن يكلف نفسه عناء التفكير، هذا إن كان يمارس التفكير أصلاً..

أتبشرنا بثقافة أهل الذمة، والخراج، والجزية عن يد وهم صاغرون؟ ولمن؟ لأناس كانوا في أوطانهم آمنين مطمئنين، يعبدون ماشاءت لهم عاداتهم أن يعبدوا، فرأوا جيوشاً من الأعراب تقتحم عليهم أوطانهم، ولم تكلف نفسها عناء شرح الإسلام وتعاليمه وتلقي الأسئلة والإجابة عن الإستفسارات؟ وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. ثقافة تستبيح دم رجل يدافع عن وطنه وبيته ونسائه ثم لا تكتفي بقتله، بل تقسم بناته وزوجته بين الأعراب كالمتاع (غنيمة)؟ أما إذا استسلم فلكي يعيش ذليلاً في وطنه، كاتماً لشعائره، محروماً من تولي المناصب، يعطي الجزية عن يدٍ وهو صاغر؟ أهذا ما تبشرنا به يادكتور؟

أتبشرنا بثقافة تبيح للرجل أن ينكح حتى المرأة المتزوجة إذا أخذها كغنيمة؟ "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم". حتى في الجاهلية كان الناس يتحرجون من مواقعة ذوات الأزواج، أما ثقافة الدكتور الموعودة فتبيح للصوامين القوامين، رهبان الليل وفرسان النهار، أن ينكحوا ماطاب لهم من النساء ومما ملكت أيمانهم ولا يهم إن كن متزوجات. إنما هي حيضة واحدة يستبرأ بها الرحم وعندها يهنأ الأعرابي بغنيمته التي لا ينسى الدكتور بين الحين والآخر أن يذكرنا بتكريمها والحرص عليها.

أثقافة زواج المتعة هي ما تبشرنا به؟ زواج المتعة الذي أبيح ثم حرم ثم أبيح ثم حرم؟ أبيح كلما دعت الحاجة في الحروب نزولاً عند رغبات الأعراب المنعظين؟ أثقافة الزنا المقنن حينا والممنوع حيناً آخر حسب المصلحة؟ أهذه هي العفة في ثقافتك يا دكتور؟

ثقافة تشن فيها الحروب وتغنم فيها النساء ويقتل فيها أبو المرأة وزوجها وأخاها ثم تنكح في ذات اليوم؟ وفي طريق العودة إلى المدينة؟ ودون أدنى مراعاة لمشاعرها؟ وحتى قبل أن تجف دموعها؟ وبدون استبراء رحمها؟ ليت شعري ماذا كان يعن لصفية بنت حي بن أخطب وهي تسلم نفسها لمن قتلوا أباها وزوجها وأخاها؟

أتتحدث عن تبادل الزوجات؟ فماذا عن ثقافة "التنازل عن الزوجات" ؟ هل أجبرت هذه الثقافة زيداً على أن يتنازل عن زينب بنت جحش لمن يخفي في نفسه ما الله مبديه؟ وليت شعري ماذا قالت زينب وهي تصبح زوجة لرجل وتمسي زوجة لآخر بدون عقد ولاشهود ولامهر ولا صداق ولا عدة ولا استبراء رحم؟ كيف لا، وقد عقد زواجها في سابع سماء؟ ولكن تمهل، فزواجها الأول أيضاً عقد في سابع سماء ولم تكن عنه راضية ونزل فيه "وَمَا كَانَ لمُؤمنٍ وَلا مؤمنةٍ إذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمراً أن تَكونَ لَهم الخيَرَةُ مِن أَمرِهِم" . ويبدو أن من عقد الزواج الأول لم يكن يدري أنه سيحتاج لهذه المرأة مرة ثانية بعد حوالي السنة ليشرع للأعراب زواج الرجل من مطلقة ابنه بالتبني.

أثقافة الحجاب هي ما تبشرنا به؟ فقل لي بربك ما الذي جعل عمر بن الخطاب يطارد الإماء المحجبات لينزع عنهن حجابهن؟ أتأمر ثقافتك بالحجاب أم تنهى عنه يا دكتور؟ أم أنه للحرائر فقط؟ ليحفظ مقتنيات السادة الأحرار؟ ولا عزاء للعبيد والإماء فثقافة الدكتور لا تعترف لهن بعرض أصلاً. ألا تسمي هذه ثقافة طبقية يا دكتور؟

أثقافة اغتصاب الأطفال هي ما تحذر منه؟ فلم لم ترتفع عقيرتك استنكاراً لاغتصاب فتاة ذات تسعة أعوام؟ أم تراك من أنصار المفاخذة؟ قل لي بربك ما شعور فتاة ذات تسع سنوات وهي تغتصب ممن تجاوز الثالثة والخمسين؟ أستحلفك بما هو عزيز لديك أختي القارئة وأخي القارىء أن تنظر حولك وتتخيل فتاة ذات تسع سنوات تنتزع من أرجوحتها وتطرح دميتها جانباً وتساق لتفقد طفولتها وبرائتها مرة وإلى الأبد من رجل يكبرها عمراً بما يزيد عن الأربعين عاماً؟

أم تراك تتحدث عن ثقافة الرحمة والعدل والإحسان؟ فماذا تسمي ذبح أطفال بني قريظة بعد الكشف عن عوراتهم لرؤية ما اذا كانوا أنبتوا الشعر فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت أُخِذَ سبياً؟ أطفال في العاشرة والحادية عشرة يذبحون في ثقافتك العادلة لأن آبائهم ناصروا قريشاً وتمنوا لها النصر؟ فما ذنب الأطفال؟ ماذا تقول ثقافتك هنا؟ تقول "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة". فها هو من قال في بني إسرائيل "وفَضَّلنَاهُم عَلَى العَالَمِين" يتراجع عن رأيه ويحكم فيهم بقتل الرجال والأطفال الذين بلغوا (بدليل شعر العانة) وسبى النساء.

وتنتاب الدكتور ما يشبه الحمى عندما يتحدث عن المقدسات ومراعاة حرماتها فقل لي بربك، ألم تسمع عن حرمة البيت الحرام؟ ألم تسمع أن الرجل كان يلتقي قاتل أبيه أو أخيه في البيت الحرام فلا يتعرض له؟ فما بال الستة رجال والأربعة نساء الذين صدر قرار إعدامهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة. فماذا حدث لـ "وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمٍنَاً" ؟ من الذي ينتهك المقدسات هنا؟ ألأنهم قالوا شعراً هجوا به الرسول؟ فهل هذه حرية القول التي تدعونا لها؟ وهل جزاء من يسب بالشعر إلا أن يسب بالشعر؟ خاصة وأن روح القدس يساعد في هذا الهجاء؟

من الذي قـتل عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام؟ ومن الذي أسر عثمان بن عبدالله ، والحكم بن كيسان حتى قالت قريش ‏:‏ قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ،وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ،وأسروا فيه الرجال؟ فماذا تقول ثقافتك التي تعظم المقدسات؟ ثقافتك تقف مع منتهكي المقدسات وتزكي ما فعلوه "يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير"

أم أن ثقافتك تنهى عن قتل النساء؟ فلعلك لم تسمع عن الشاعرة عصماء بنت مروان التي وضع السيف في ثديها حتى خرج من ظهرها وهي ترضع وليدها لشعر قالته في هجاء الرسول؟ ماذا تقول ثقافتك؟ تقول "لا ينتطح فيها عنزان".

ثقافة اليوم التي تلعنها حاكمت مجرمي الحرب وسلمت رؤساء دول فمن دونهم إلى محاكم جرائم الحرب، أما ثقافتك ففيها "رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد" وضاعت دماء من قتلوا، وفيها "لا أغمد سيفاً سلَّهُ الله" وضاع دم مالك بن نويرة.

هل ثقافتك ثقافة مساواة بين البشر؟ فقل لي: هل يقتل الحر بالعبد؟ وهل يقتل الرجل بالمرأة؟ أم أن "الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" ؟ في ثقافة الدكتور لا توجد مساواة حتى في العقوبات فالأمة الزانية عقوبتها نصف عقوبة الحرة "فإذا أحصٍنَّ فإذَا أتَينَ بٍفَاحٍشةٍ فَعَلَيهٍٍنَّ نٍصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتٍ مٍنَ العَذاب" وحتى عدتها وطلاقها تختلف عن عدة وطلاق الحرة فرحم الأمة ولا ريب يختلف عن رحم الحرة "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.. فما هذه الثقافة التي تشرع للطبقية في أصولها ومصادرها؟ أم تراك ستحتج بالتدرج والحث على العتق؟ فهذا التشريع لا يدل على نية في تحريم الاسترقاق وانما يدل على تأصيل وترسيخ له.

هل نزيدك يا دكتور أم تراك تكتفي بهذا؟ سأتوقف هنا خشية الإطالة على القارئة والقارىء الكريمين ولنا عودة بمزيد من التفصيل إن كان في العمر بقية...